تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
والشر أخبث ما أوعيت من زاد واعلم أن وجه التذكير في هذا أن نجاة قوم من الغرق بالسفينة وتغريق من سواهم يدل على قدرة مدبر العالم ونفاذ مشيئته ، ونهاية حكمته ورحمته وشدة قهره وسطوته ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية : " سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي ، قال علي : فما نسيت شيئاً بعد ذلك ، وما كان لي أن أنسى " فإن قيل : لم قال * ( أذن واعية ) * على التوحيد والتنكير ؟ قلنا : للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة ، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم ، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله فهي السواد الأعظم عند الله ، وأن ما سواها لا يلتفت إليهم ، وإن امتلأ العالم منهم . المسألة الثانية : قراءة العامة : * ( وتعيها ) * بكسر العين ، وروى عن ابن كثير * ( وتعيها ) * ساكنة العين كأنه جعل حرف المضارعة مع ما بعده بمنزلة فخذ ، فأسكن كما أسكن الحرف المتوسط من فخذ وكبد وكتف ، وإنما فعل ذلك لأن حرف المضارعة لا ينفصل من الفعل ، فأشبه ما هو من نفس الكلمة ، وصار كقول من قال : وهو وهي ومثل ذلك قوله : * ( ويتقه ) * ( النور : 52 ) في قراءة من سكن القاف . واعلم أنه تعالى لما حكى هذه القصص الثلاث ونبه بها عن ثبوت القدرة والحكمة للصانع فحينئذ ثبت بثبوت القدرة إمكان القيامة ، وثبت بثبوت الحكمة إمكان وقوع القيامة . ولما ثبت ذلك شرع سبحانه في تفاصيل أحوال القيامة فذكر أولاً مقدماتها . فقال : * ( فَإِذَا نُفِخَ فِى الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء * ( نفخة ) * بالرفع والنصب ، وجه الرفع أسند الفعل إليها ، وإنما حسن تذكير الفعل للفصل ، ووجه النصب أن الفعل مسند إلى الجار والمجرور ثم نصب نفخة على المصدر . المسألة الثانية : المراد من هذه النفخة الواحدة هي النفخة الأولى لأن عندها يحصل خراب العالم ، فإن قيل : لم قال بعد ذلك * ( يومئذ تعرضون ) * ( الحاقة : 18 ) والعرض إنما يكون عند النفخة الثانية ؟ قلنا : جعل اليوم اسماً للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان ، والصعقة والنشور ، والوقوف والحساب ، فلذلك قال : * ( يومئذ تعرضون ) * كما تقول : جئته عام كذا ، وإنما كان مجيئك في وقت واحد من أوقاته . * ( وَحُمِلَتِ الاَْرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ) * . فيه مسألتان : المسألة الأولى : رفعت الأرض والجبال ، إما بالزلزلة التي تكون في القيامة ، وإما بريح بلغت من قوة عصفها أنها تحمل الأرض والجبال ، أو بملك من الملائكة أو بقدرة الله من غير