على هذا الحرف ، ومنهم من قال إنه تعالى لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك درجة عالية لا يصل إليها إلا الأولون ، وقصر السعادة عليهم يقتضي الحرمان للأكثرين ، وذلك لا يليق بالرحمة التامة ، لا جرم جعل الحكم أعم فقال كل من اختار الأحسن في كل باب كان في زمرة السعداء ، واعلم أن هذه الآية تدل على فوائد :
( الفائدة الأولى ) وجوب النظر والاستدلال ، وذلك لأنه تعالى بين أن الهداية والفلاح
مرتبطان بما إذا سمع الانسان أشياء كثيرة ، فإنه يختار منها ما هو الأحسن الأصوب ، ومن
المعلوم أن تمييز الأحسن الأصوب عما سواه لا يحصل بالسماع ، لان السماع صار قدرا مشتركا
بين الكل ، لان قوله ( الذين يستمعون القول ) يدل على أن السماع قدر مشترك فيه ، فثبت أن تمييز
المدح حسن عما سواه لا يتأتى بالسماع وإنما يتأتى بحجة العقل ، وهذا يدل على أن الموجب لاستحقاق
المدح والثناء متابعة حجة العقل وبناء الامر على النظر والاستدلال .
( الفائدة الثانية ) أن الطريق إلى تصحيح المذاهب والأديان قسمان ( أحدهما ) إقامة الحجة
والبنية على صحته على سبيل التحصيل ، وذلك أمر لا يمكن تحصيله إلا بالخوض في كل واحد من
المسائل على التفصيل ( والثاني ) أنا قبل البحث عن الدلائل وتقريرها والشبهات وتزييفها نعرض
تلك المذاهب وأضدادها على عقولنا ، فكل ما حكم أول العقل بأنه أفضل وأكمل كان أولى بالقبول .
مثاله أن صريح العقل شاهد بأن الاقرار بأن إله العالم حي عالم قادر حليم حكيم رحيم ، أولى من إنكار
ذلك ، فكان ذلك المذهب أولى ، والاقرار بأن الله تعالى لا يجرى في ملكه وسلطانه إلا ما كان
على وفق مشيئته أولى من القول بأن أكثر ما يجرى في سلطان الله على خلاف إرادته ، وأيضا
الاقرار بأن الله فرد أحد صمد منزه عن التركيب الأعضاء أولى من القول بكونه متبعضا مؤلفا ،
وأيضا القول باستغنائه عن الزمان المكان أولى من القول باحتياجه إليهما ، وأيضا القول بأن الله
رحيم كريم قد يعفو عن العقاب أولى من القول بأنه لا يعفو عنه البتة ، وكل هذه الأبواب تدخل
تحت قوله ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) فهذا ما يتعلق باختيار الأحسن في أبواب
الانتقادات .
وأما ما يتعلق بأبواب التكاليف فهو على قسمين : منها ما يكون من أبواب العبادات ، ومنها
ما يكون من أبواب المعاملات ، فأما العبادات فمثل قولنا الصلاة التي يذكر في تحريمها الله الكبر
وتكون النية فيها مقارنة للتكبير ، ويقرأ فيها سورة الفاتحة ، ويؤتى فيها بالطمأنينة في المواقف
الخمسة ، ويقرأ فيها التشهد ، ويخرج منها بقوله السلام عليكم ، فلا شك أنها أحسن من الصلاة التي
لا يراعى فيها شئ من هذه الأحوال ، وتوجب على العاقل أن يختار هذه الصلاة ، وأن يترك
ما سواها ، وكذلك القول في جميع أبواب العبادات . وأما المعاملات فكذلك مثل أنه تعالى شرع
القصاص والدية والعفو ، ولكنه ندب إلى العفو فقال ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) وعن ابن عباس
تفسير الرازي — صفحة 261
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٦١