فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الاَْرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَه
( المسألة الثانية ) ذكر في حق داود اشتغاله بآلة الحرب ، وفي حق سليمان بحالة السلم وهي المساكن والمآكل وذلك لأن سليمان كان ولد داود ، وداود قتل جالوت والملوك الجبابرة ، واستوى داود على الملك ، فكان سليمان كولد ملك يكون أبوه قد سوى على ابنه الملك وجمع له المال فهو يفرقه
على جنوده ، ولأن سليمان لم يقدر أحد عليه في ظنه فتركوا الحرب معه وإن حاربه أحد كان
زمان الحرب يسيراً لإدراكه إياه بالريح فكان في زمانه العظمة بالإطعام والإنعام .
( المسألة الثالثة ) لما قال عقيب قوله تعالى : * ( أن اعمل سابغات ) * اعملوا صالحاً ، قال عقيب
ما يعمله الجن : * ( اعملوا آل داود شكراً ) * إشارة إلى ما ذكرنا أن هذه الأشياء حالية لا ينبغي أن يجعل
الإنسان نفسه مستغرقة فيها وإنما الواجب الذي ينبغي أن يكثر منه هو العمل الصالح الذي يكون شكراً ، وفيه إشارة إلى عدم الالتفات إلى هذه الأشياء ، وقلة الاشتغال بها كما في قوله : * ( وقدر في السرد ) * أي اجعله بقدر الحاجة .
( المسألة الرابعة ) انتصاب شكراً يحتمل ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون مفعولاً له كقول
القائل جئتك طمعاً وعبدت الله رجاء غفرانه وثانيها : أن يكون مصدراً كقول القائل شكرت
الله شكراً ويكون المصدر من غير لفظ الفعل كقول القائل جلست قعوداً ، وذلك لأن العمل شكر
فقوله : * ( اعملوا ) * يقوم مقام قوله : * ( اشكروا ) * وثالثها : أن يكون مفعولاً به كقولك اضرب زيداً
كما قال تعالى : * ( واعملوا صالحاً ) * لأن الشكر صالح .
( المسألة الخامسة ) قوله : * ( وقليل من عبادي الشكور ) * إشارة إلى أن الله خفف الأمر على
عباده ، وذلك لأنه لما قال : * ( اعملوا آل داود شكراً ) * فهم منه أن الشكر واجب لكن شكر نعمه كما ينبغي لا يمكن ، لأن الشكر بالتوفيق وهو نعمة تحتاج إلى شكر آخر وهو بتوفيق آخر ، فدائماً
تكون نعمة الله بعد الشكر خالية عن الشكر ، فقال تعالى : إن كنتم لا تقدرون على الشكر التام
فليس عليكم في ذلك حرج ، فإن عبادي قليل منهم الشكور ويقوي قولنا أنه تعالى أدخل الكل في
قوله : * ( عبادي ) * مع الإضافة إلى نفسه ، وعبادي بلفظ الإضافة إلى نفس المتكلم لم ترد في القرآن إلا في حق الناجين ، كقوله تعالى : * ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) * وقوله
* ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) * فإن قيل على ما ذكرتم شكر الله بتمامه لا يمكن وقوله : * ( قليل ) *
يدل على أن في عباده من هو شاكر لأنعمه ، نقول الشكر بقدر الطاقة البشرية هو الواقع وقليل فاعله ، وأما الشكر الذي يناسب نعم الله فلا قدرة عليه ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، أو نقول الشاكر التام ليس إلا من رضي الله عنه ، وقال له : يا عبدي ما أتيت به من الشكر القليل قبلته منك وكتبت لك أنك شاكر لأنعمي بأسرها ، وهذا القبول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها .
ثم قال تعالى ( فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الاَْرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَه
تفسير الرازي — صفحة 249
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٤٩