قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين
إن ظهور الفساد في البحر قلة مياه العيون فإنها من البحار ، واعلم أن كل فساد يكون فهو بسبب الشرك لكن الشرك قد يكون في العمل دون القول والاعتقاد فيسمى فسقاً وعصياناً وذلك لأن المعصية فعل لا يكون لله بل يكون للنفس ، فالفاسق مشرك بالله بفعله ، غاية ما في الباب أن الشرك بالفعل لا يوجب الخلود لأن أصل المرء قلبه ولسانه ، فإذا لم يوجد منهما إلا التوحيد يزول الشرك البدني بسببهما ، وقوله تعالى : * ( ليذيقهم بعض الذي عملوا ) * قد ذكرنا أن ذلك ليس تمام جزائهم وكل موجب افترائهم ، وقوله : * ( لعلهم يرجعون ) * يعني كما يفعله المتوقع رجوعهم مع أن الله يعلم أن من أضله لا يرجع لكن الناس يظنون أنه لو فعل بهم شيء من ذلك لكان يوجد منهم الرجوع ، كما أن السيد إذا علم من عبده أنه لا يرتدع بالكلام ، فيقول القائل لماذا لا تؤدبه بالكلام ؟ فإذا قال لا ينفع ربما يقع في وهمه أنه لا يبعد عن نفع ، فإذا زجره ولم يرتدع يظهر له صدق كلام السيد ويطمئن قلبه .
* ( قُلْ سِيرُواْ فِى الاَْرْضِ فَا انْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ ) * .
لما بين حالهم بظهور الفساد في أحوالهم بسبب فساد أقوالهم بين لهم هلاك أمثالهم وأشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم فقال : * ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ) * أي قوم نوح وعاد وثمود ، وهذا ترتيب في غاية الحسن وذلك لأنه في وقت الامتنان والإحسان قال : * ( الله الذي خلقكم ثم رزقكم ) * ( مريم : 40 ) أي آتاكم الوجود ثم البقاء ووقت الخذلان بالطغيان قال : * ( ظهر الفساد في البر والبحر ) * ( الروم : 41 ) أي قلل رزقكم ، ثم قال تعالى : * ( سيروا في الأرض ) * أي هو أعدمكم كم أعدم من قبلكم ، فكأنه قال أعطاكم الوجود والبقاء ، ويسلب منكم الوجود والبقاء ، وأما سلب البقاء فبإظهار الفساد ، وأما سلب الوجود فبالإهلاك ، وعند الإعطاء قدم الوجود على البقاء ، لأن الوجود أولاً ثم البقاء ، وعند السلب قدم البقاء ، وهو الاستمرار ثم الوجود .
وقوله : * ( كان أكثرهم مشركين ) * يحتمل وجوهاً ثلاثة أحدها : أن الهلاك في الأكثر كان بسبب الشرك الظاهر وإن كان بغيره أيضاً كالإهلاك بالفسق والمخالفة كما كان على أصحاب السبت الثاني : أن كل كافر أهلك لم يكن مشركاً بل منهم من كان معطلاً نافياً لكنهم قليلون ، وأكثر الكفار مشركون الثالث : أن العذاب العاجل لم يختص بالمشركين حين أتى ، كما قال تعالى : * ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) * ( الأنفال : 25 ) بل كان على الصغار والمجانين ، ولكن أكثرهم كانوا مشركين .
تفسير الرازي — صفحة 128
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٢٨