ما أبعدها حيث جعله حيواناً وكان جماداً ، وناطقاً وكان أبكم ، وسميعاً وكان أصم ، وبصيراً وكان أكمه ، وأودع باطنه وظاهره بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه عجائب فطرة وغرائب حكمة لا يحيط بها وصف الواصفين ، ولا شرح الشارحين ، وروى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : هو تصريف الله إياه بعد الولادة في أطواره في زمن الطفولية وما بعدها إلى استواء الشباب ، وخلق الفهم والعقل وما بعده إلى أن يموت ، ودليل هذا القول إنه عقبه بقوله : * ( ثم إنكم بعد ذلك لميتون ) * وهذا المعنى مروي أيضاً عن ابن عباس وابن عمر ، وإنما قال : * ( أنشأناه ) * لأنه جعل إنشاء الروح فيه ، وإتمام خلقه إنشاء له قالوا في الآية دلالة على بطلان قول النظام في أن الإنسان هو الروح لا البدن فإنه سبحانه بين أن الإنسان هو المركب من هذه الصفات ، وفيها دلالة أيضاً على بطلان قول الفلاسفة الذين يقولون إن الإنسان شيء لا ينقسم ، وإنه ليس بجسم .
أما قوله : * ( فتبارك الله ) * أي فتعالى الله فإن البركة يرجع معناها إلى الامتداد والزيادة ، وكل ما زاد على الشيء فقد علاه ، ويجوز أن يكون المعنى ، والبركات والخيرات كلها من الله تعالى ، وقيل أصله من البروك وهو الثبات ، فكأنه قال والبقاء والدوام . والبركات كلها منه فهو المستحق للتعظيم والثناء ، وقوله : * ( أحسن الخالقين ) * أي أحسن المقدرين تقديراً فترك ذكر المميز لدلالة الخالقين عليه وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قالت المعتزلة لولا أن الله تعالى قد يكون خالقاً لفعله إذا قدره لما جاز القول بأنه أحسن الخالقين ، كما لو لم يكن في عباده من يحكم ويرحم لم يجز أن يقال فيه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين ، والخلق في اللغة هو كل فعل وجد من فاعله مقدراً لا على سهو وغفلة ، والعباد قد يفعلون ذلك على هذا الوجه ، قال الكعبي هذه الآية ، وإن دلت على أن العبد خالق إلا أن اسم الخالق لا يطلق على العبد إلا مع القيد كما أنه يجوز أن يقال رب الدار ، ولا يجوز أن يقال رب بلا إضافة ، ولا يقول العبد لسيده هو ربي ، ولا يقال إنما قال الله تعالى ذلك لأنه سبحانه وصف عيسى عليه السلام بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير لأنا نجيب عنه من وجهين : أحدهما : إن ظاهر الآية يقتضي أنه سبحانه * ( أحسن الخالقين ) * الذين هم جمع فحمله على عيسى خاصة لا يصح الثاني : أنه إذا صح وصف عيسى بأنه يخلق صح وصف غيره من المصورين أيضاً بأنه يخلق ؟ وأجاب أصحابنا بأن هذه الآية معارضة بقول الله تعالى : * ( الله خالق كل شيء ) * ( الزمر : 62 ) فوجب حمل هذه الآية على أنه * ( أحسن الخالقين ) * في اعتقادكم وظنكم ، كقوله تعالى : * ( وهو أهون عليه ) * ( الروم : 27 ) أي هو أهون عليه في اعتقادكم وظنكم والجواب الثاني : هو أن الخالق هو المقدر لأن الخلق هو التقدير والآية تدل على أنه سبحانه أحسن المقدرين ، والتقدير يرجع معناه إلى الطن والحسبان ، وذلك في حق الله سبحانه محال ، فتكون الآية من المتشابهات والجواب الثالث : أن الآية تقتضي
تفسير الرازي — صفحة 85
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٨٥