تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
وثالثها : المراد ألم تعلم والقول الأول ضعيف لأن الماء وإن كان مرئياً إلا أن كون الله منزلاً له من السماء غير مرئي إذا ثبت هذا وجب حمله على العلم ، لأن المقصود من تلك الرؤية هو العلم ، لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم كانت كأنها لم تحصل . المسألة الثانية : قرىء * ( مخضرة ) * كمبقلة ومسبعة أي ذات خضرة ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : لم قال : * ( فتصبح ) * الأرض ولم يقل فأصبحت ؟ الجواب : لنكتة فيه وهي إفادة بقاء أثر المطر زماناً بعد زمان ، كما تقول أنعم على فلان عام كذا فأروح وأغد شاكراً له ، ولو قلت فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع . السؤال الثاني : لم رفع ولم ينصب جواباً للاستفهام ؟ والجواب : لو نصب لأعطى عكس ما هو الغرض ، لأن معناه إثبات الإخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الإخضرار مثاله أن تقول لصاحبك ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر . وإن نصبته فأنت ناف لشكره شاك لتفريطه ، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر . السؤال الثالث : لم أورد تعالى ذلك دلالة على قدرته على الإعادة ، كما قال أبو مسلم . الجواب : يحتمل ذلك ويحتمل أنه نبه به على عظيم قدرته وواسع نعمه . السؤال الرابع : ما تعلق قوله : * ( إن الله لطيف خبير ) * بما تُقدم ؟ الجواب : من وجوه أحدها : أراد أنه رحيم بعباده ولرحمته فعل ذلك حتى عظم انتفاعهم به ، لأن الأرض إذا أصبحت مخضرة والسماء إذا أمطرت كان ذلك سبباً لعيش الحيوانات على اختلافها أجمع . ومعنى * ( خبير ) * أنه عالم بمقادير مصالحهم فيفعل على قدر ذلك من دون زيادة ونقصان وثانيها : قال ابن عباس * ( لطيف ) * بأرزاق عباده * ( خبير ) * بما في قلوبهم من القنوط وثالثها : قال الكلبي * ( لطيف ) * في أفعاله * ( خبير ) * بأعمال خلقه ورابعها : قال مقاتل : * ( لطيف ) * باستخراج النبت * ( خبير ) * بكيفية خلقه . الدلالة الثانية : قوله تعالى : * ( له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد ) * والمعنى أن كل ذلك منقاد له غير ممتنع من التصرف فيه وهو غني عن الأشياء كلها وعن حمد الحامدين أيضاً لأنه كامل لذاته ، والكامل لذاته غني عن كل ما عداه في كل الأمور ، ولكنه لما خلق الحيوان فلا بد في الحكمة من قطر ونبات فخلق هذه الأشياء رحمة للحيوانات وإنعاماً عليهم ، لا لحاجة به إلى ذلك . وإذا كان كذلك كان إنعامه خالياً عن غرض عائد إليه فكان مستحقاً للحمد . فكأنه قال إنه لكونه غنياً لم يفعل ما فعله إلا للإحسان ، ومن كان كذلك كان مستحقاً للحمد فوجب أن يكون حميداً . فلهذا قال : * ( وإن الله لهو الغني الحميد ) * . الدلالة الثالثة : قوله : * ( ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض ) * أي ذلل لكم ما فيها فلا أصلب من الحجر ولا أحد من الحديد ولا أكثر هيبة من النار ، وقد سخرها لكم وسخر الحيوانات أيضاً حتى ينتفع بها من حيث الأكل والركوب والحمل عليها والانتفاع بالنظر إليها ، فلولا أن سخر الله