تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
الَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ ) * . اعلم أنه تعالى لما ذكر أن الملك له يوم القيامة وأنه يحكم بينهم ويدخل المؤمنين الجنات أتبعه بذكر وعده الكريم للمهاجرين ، وأفردهم بالذكر تفخيماً لشأنهم فقال عز من قائل * ( والذين هاجروا ) * واختلفوا فيمن أريد بذلك ، فقال بعضهم من هاجر إلى المدينة طالباً لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتقرباً إلى الله تعالى ، وقال آخرون بل المراد من جاهد فخرج مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو في سراياه لنصرة الدين ولذلك ذكر القتل بعده ، ومنهم من حمله على الأمرين . واختلفوا من وجه آخر فقال قوم المراد قوم مخصوصون ، روى مجاهد أنها نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة فتبعهم المشركون فقاتلوهم ، وظاهر الكلام للعموم . ثم إنه سبحانه وتعالى وصفهم برزقهم ومسكنهم ، أما الرزق فقوله تعالى : * ( ليرزقنهم الله رزقاً حسناً وإن الله لهو خير الرازقين ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : لا شبهة في أن الرزق الحسن هو نعيم الجنة ، وقال الأصم إنه العلم والفهم كقول شعيب عليه السلام * ( ورزقني منه رزقاً حسناً ) * ( هود : 88 ) فهذا في الدنيا وفي الآخرة الجنة ، وقال الكلبي رزقاً حسناً حلالاً وهو الغنيمة وهذان الوجهان ضعيفان ، لأنه تعالى جعله جزاء على هجرتهم في سبيل الله بعد القتل والموت وبعدهما لا يكون إلا نعيم الجنة . المسألة الثانية : لا بد من شرط اجتناب الكبائر في كل وعد في القرآن لأن هذا المهاجر لو ارتكب كبيرة لكان حكمه في المشيئة على قولنا ، ولخرج عن أن يكون أهلاً للجنة قطعاً على قول المعتزلة . فإن قيل فما فضله على سائر المؤمنين في الوعد إن كان كما قلتم ؟ قلنا فضلهم يظهر لأن ثوابهم أعظم وقد قال تعالى : * ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ) * ( الحديد : 10 ) فمعلوم أن من هاجر مع الرسول صلى الله عليه وسلم وفارق دياره وأهله لتقويته ونصرة دينه مع شدة قوة الكفار وطهور صولتهم صار فعله كالسبب لقوة الدين ، وعلى هذا الوجه عظم محل الأنصار حتى صار ذكرهم والثناء عليهم تالياً لذكر المهاجرين لما آووه ونصروه . المسألة الثالثة : اختلفوا في معنى قوله : * ( وإن الله لهو خير الرازقين ) * مع العلم بأن كل الرزق من عنده على وجوه : أحدها : التفاوت إنما كان بسبب أنه سبحانه مختص بأن يرزق ما لا يقدر عليه غيره وثانيها : أن يكون المراد أنه الأصل في الرزق ، وغيره إنما يرزق بما تقدم من الرزق من جهة الله تعالى وثالثها : أن غيره ينقل الرزق من يده إلى يد غيره لا أنه يفعل