تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
إعلم أنه تعالى لما حكى من عظم ما هم عليه من التكذيب أنهم يستهزئون باستعجال العذاب فقال : * ( ويستعجلونك بالعذاب ) * وفي ذلك دلالة على أنه عليه السلام كان يخوفهم بالعذاب إن استمروا على كفرهم ولأن قولهم : * ( لو ما تأتينا بالملائكة ) * يدل على ذلك فقال تعالى : * ( ولن يخلف الله وعده ) * لأن الوعد بالعذاب إذا كان في الآخرة دون الدنيا فاستعجاله يكون كالخلف ثم بين أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة فقال : * ( وإن يوماً عند ربك ) * يعني فيما ينالهم من العذاب وشدته * ( كألف سنة ) * لو بقي وعذب في كثرة الآلام وشدتها فبين سبحانه أنهم لو عرفوا حال عذاب الآخرة وأنه بهذا الوصف لما استعجلوه ، وهذا قول أبي مسلم وهو أولى الوجوه : الوجه الثاني : أن المراد طول أيام الآخرة في المحاسبة ويرجع معناه إلى قريب مما تقدم ، وذلك أن الأيام القصيرة إذا مرت في الشدة كانت مستطيلة فكيف تكون الأيام المستطيلة إذا مرت في الشدة . ثم إن العذاب الذي يكون طول أيامها إلى هذا الحد لا ينبغي للعاقل أن يستعجله والوجه الثالث : أن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على السواء لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء ، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا أيضاً إمهال ألف سنة . أما قوله : * ( وكأي من قرية أمليت لها وهي ظالمة ) * فالمراد وكم من قرية أخرت إهلاكهم مع استمرارهم على ظلمهم فاغتروا بذلك التأخير ثم أخذتهم بأن أنزلت العذاب بهم ، ومع ذلك فعذابهم مدخر إذا صاروا إلي وهو تفسير قوله : * ( وإلى المصير ) * فإن قيل فلم قال فيما قبل * ( فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة ) * ( الحج : 45 ) وقال ههنا : * ( وكأين من قرية أمليت لها ) * الأولى بالفاء وهذه بالواو ؟ قلنا : الأولى وقعت بدلاً عن قوله : * ( فكيف كان نكير ) * ( الحج : 44 ) وأما هذه فحكمها حكم ما تقدمها من الجملتين المعطوفتين بالواو ، أعني قوله : * ( ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ) * . أما قوله : * ( قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نطير مبين ) * فالمعنى أنه تعالى أمر رسوله بأن يديم لهم التخويف والإنذار ، وأن لا يصده ما يكون منهم من الاستعجال للعذاب على سبيل الهزؤ عن إدامة التخويف والإنذار ، وأن يقول لهم إنما بعثت للإنذار فاستهزاؤكم بذلك لا يمنعني منه . قوله تعالى * ( فاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْاْ فِى ءَايَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) * . إعلم أنه تعالى لما بين للرسول صلى الله عليه وسلم أنه يجب أن يقول لهم أنا نذير مبين أردف ذلك بأن أمره بوعدهم ووعيدهم ، لأن الرجل إنما يكون منذراً بذكر الوعد للمطيعين والوعيد