تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
أدركت المحسوسات القوية ففي ذلك الوقت تعجز عن إدراك الضعيفة ، فإن من سمع الصوت الشديد ففي تلك الحالة لا يمكنه أن يسمع الصوت الضعيف والقوة العقلية لا يشغلها معقول عن معقول السادس : القوى الحسية تضعف بعد الأربعين ، وتضعف عند كثرة الأفكار التي هي موجباً لاستيلاء النفس على البدن الذي هو موجب لخراب البدن ، والقوى العقلية تقوى بعد الأربعين وتقوى عند كثرة الأفكار الموجبة لخراب البدن ، فدل ذلك على استغناء القوة العقلية عن هذه الآلات واحتياج القوى الحسية إليها السابع : القوة الباصرة لا تدرك المرئي مع القرب القريب ولا مع البعد البعيد ، والقوة العقلية لا يختلف حالها بحسب القرب والبعد ، فإنها تترقى إلى ما فوق العرش وتنزل إلى ما تحت الثرى في أقل من لحظة واحدة ، بل تدرك ذات الله وصفاته مع كونه منزهاً عن القرب والبعد والجهة فكانت القوة العقلية أشرف الثامن : القوة الحسية لا تدرك من الأشياء إلا ظواهرها فإذا أدركت الإنسان فهي في الحقيقة ما أدركت الإنسان لأنها ما أدركت إلا السطح الظاهر من جسمه ، وإلا اللون القائم بذلك السطح ، وبالاتفاق فليس الإنسان عبارة عن مجرد السطح واللون فالقوة الباصرة عاجزة عن النفوذ في الباطن ، أما القوة العاقلة فإن باطن الأشياء وظاهرها بالنسبة إليها على السواء فإنها تدرك البواطن والظواهر وتغوص فيها وفي أجزائها ، فكانت القوة العاقلة نوراً بالنسبة إلى الباطن والظاهر ، أما القوة الباصرة فهي بالنسبة إلى الظاهر نور وبالنسبة إلى الباطن ظلمة ، فكانت القوة العاقلة أشرف من القوة الباصرة التاسع : أن مدرك القوة العاقلة هو الله تعالى وجميع أفعاله ، ومدرك القوة الباصرة هو الألوان والأشكال ، فوجب أن تكون نسبة شرف القوة العاقلة إلى شرف القوة الباصرة كنسبة شرف ذات الله تعالى إلى شرف الألوان والأشكال العاشر : القوة العاقلة تدرك جميع الموجودات والمعدومات والماهيات التي هي معروضات الموجودات والمعدومات ، ولذلك فإن أول حكمه أن الوجود والعدم لا يجتمعان ولا يرتفعان ، وذلك مسبوق لا محالة بتصور مسمى الوجود ومسمى العدم فكأنه بهذين التصورين قد أحاط بجميع الأمور من بعض الوجوه . وأما القوة الباصرة فإنها لا تدرك إلا الأضواء والألوان وهما من أخس عوارض الأجسام والأجسام أخس من الجواهر الروحانية ، فكان متعلق القوة الباصرة أخس الموجودات . وأما متعلق القوة العاقلة فهو جميع الموجودات والمعدومات فكانت القوة العاقلة أشرف . الحادي عشر : القوة العاقلة تقوى على توحيد الكثير وتكثير الواحد ، والقوة الباصرة لا تقوى على ذلك . أما أن القوة العاقلة تقوى على توحيد الكثير ، فذاك لأنها تضم الجنس إلى الفصل فيحدث منهما طبيعة نوعية واحدة ، وأما أنها تقوى على تكثير الواحد فلأنها تأخذ الإنسان وهي ماهية واحدة فتقسمها إلى مفهوماتها وإلى عوارضها اللازمة وعوارضها المفارقة ، ثم تقسم مقوماته إلى الجنس وجنس الجنس ، والفصل وفصل الفصل ، وجنس الفصل وفصل الجنس ،