تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
أن النوافل أشق منه لما كانت النوافل مشروعة . لأنه إذا حصل طريقان إلى تحصيل المقصود وكانا في الإفضاء إلى المقصود سيين وكان أحدهما شاقاً والآخر سهلاً ، فإن العقلاء يستقبحون تحصيل ذلك المقصود بالطريق الشاق مع المكنة من الطريق السهل ، ولما كانت النوافل مشروعة علمنا أنها أفضل وثامنها : لو كان الاشتغال بالنكاح أولى من النافلة لكان الاشتغال بالحراثة والزراعة أولى من النافلة بالقياس على النكاح والجامع كون كل واحد منهما سبباً لبقاء هذا العالم ومحصلاً لنظامه وتاسعها : أجمعنا على أنه يقدم واجب العبادة على واجب النكاح ، فيقدم مندوبها على مندوبه لاتحاد السبب وعاشرها : أن النكاح اشتغال بتحصيل اللذات الحسية الداعية إلى الدنيا ، والنافلة قطع العلائق الجسمانية وإقبال على الله تعالى فأين أحدهما من الآخر ؟ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : " حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة " فرجح الصلاة على النكاح ، حجة أبي حنيفة رحمه الله من وجوه : الأول : أن النكاح يتضمن صون النفس عن الزنا فيكون ذلك دفعاً للضرر عن النفس ، والنافلة جلب النفع ودفع الضرر أولى من جلب النفع الثاني : أن النكاح يتضمن العدل والعدل أفضل من العبادة لقوله عليه الصلاة والسلام : " لعدل ساعة خير من عبادة ستين سنة " الثالث : النكاح سنة مؤكدة لقوله عليه الصلاة والسلام : " من رغب عن سنتي فليس مني " وقال في الصلاة وإنها خير موضوع : " فمن شاء فليستكثر ومن شاء فليستقلل " فوجب أن يكون النكاح أفضل . المسألة السادسة : قوله تعالى : * ( وأنكحوا الأيامى ) * ( النور : 32 ) وإن كانت تتناول جميع الأيامى بحسب الظاهر لكنهم أجمعوا على أنه لا بد فيها من شروط ، وقد تقدم شرحها في قوله : * ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) * ( النساء : 24 ) . أما قوله تعالى : * ( منكم ) * فقد حمله كثير من المفسرين على أن المراد هم الأحرار لينفصل الحر من العبد ، وقال بعضهم بل المراد بذلك من يكون تحت ولاية المأمور من الولد أو القريب ، ومنهم من قال الإضافة تفيد الحرية والإسلام . أما قوله تعالى : * ( والصالحين من عبادكم وإمائكم ) * ( النور : 32 ) ففيه مسائل : المسألة الأولى : ظاهر أنه أيضاً أمر للسادة بتزويج هذين الفريقين إذا كانوا صالحين ، وأنه لا فرق بين هذا الأمر وبين الأمر بتزويج الأيامى في باب الوجوب ، لكنهم اتفقوا على أنه إباحة أو ترغيب ، فأما أن يكون واجباً فلا ، وفرقوا بينه وبين تزويج الأيامى بأن في تزويج العبد التزام مؤنة وتعطيل خدمة ، وذلك ليس بواجب على السيد وفي تزويج الأمة استفادة مهر وسقوط نفقة ، وليس ذلك بلازم على المولى . المسألة الثانية : إنما خص الصالحين بالذكر لوجوه : الأول : ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم الثاني : لأن الصالحين من الأرقاء هم الذين مواليهم يشفقون عليهم ( و ) ينزلونهم منزلة