تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
عليه وسلم أن وقوع الجلد به يبطل شهادته من غير شرط التوبة في قبولها وثانيها : أن قوله عليه السلام : " المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف " ولم يشترط فيه وجود التوبة منه وثالثها : ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تجوز شهادة محدود في الإسلام " قالت الشافعية هذا معارض بوجوه : أحدها : قوله عليه السلام : " إذا علمت مثل الشمس فاشهد " والأمر للوجوب فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو لم تكن مقبولة لما وجبت لأنها تكون عبثاً وثانيها : قوله عليه السلام : " نحن نحكم بالظاهر " وههنا قد حصل الظهور لأن دينه وعقله وعفته الحاصلة بالتوبة تفيد ظن كونه صادقاً وثالثها : ما روي عن عمر بن الخطاب " أنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة ونافع ونفيع ، ثم قال لهم من أكذب نفسه قبلت شهادته ومن لم يفعل لم أجز شهادته فأكذب نافع ونفيع أنفسهما وتابا وكان يقبل شهادتهما . وأما أبو بكرة فكان لا يقبل شهادته " وما أنكر عليه أحد من الصحابة فيه ، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة . أما قوله تعالى : * ( وأولئك هم الفاسقون ) * فاعلم أنه يدل على أمرين : الأول : أن القذف من جملة الكبائر لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب الكبيرة الثاني : أنه اسم لمن يستحق العقاب لأنه لو كان مشتقاً من فعله لكانت التوبة لا تمنع من دوامه كما لا تمنع من وصفه بأنه ضارب وبأنه رام إلى غير ذلك . وأما قوله تعالى : * ( إلا الذين تابوا ) * فاعلم أنهم اختلفوا في أن التوبة عن القذف كيف تكون ، قال الشافعي رحمه الله التوبة منه إكذابه نفسه ، واختلف أصحابه في معناه فقال الأصطخري يقول : كذبت فيما قلت فلا أعود لمثله ، وقال أبو إسحق لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقاً فيكون قوله كذبت كذباً والكذب معصية ، والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى ، بل يقول القاذف باطلاً ندمت على ما قلت ورجعت عنه ولا أعود إليه . أما قوله : * ( وأصلحوا ) * فقال أصحابنا إنه بعد التوبة لا بد من مضي مدة عليه في حسن الحال حتى تقبل شهادته وتعود ولايته ، ثم قدروا تلك المدة بسنة حتى تمر عليه الفصول الأربع التي تتغير فيها الأحوال والطباع كما يضرب للعنين أجل سنة ، وقد علق الشرع أحكاماً بالسنة من الزكاة والجزية وغيرهما . وأما قوله تعالى : * ( فإن الله غفور رحيم ) * فالمعنى أنه لكونه غفوراً رحيماً يقبل التوبة وهذا يدل على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً إذ لو كان واجباً لما كان في قبوله غفوراً رحيماً ، لأنه إذا كان واجباً فهو إنما يقبله خوفاً وقهراً لعلمه بأنه لو لم يقبله لصار سفيهاً ، ولخرج عن حد الإلهية . أما إذا لم يكن واجباً فقبله . فهناك تتحقق الرحمة والإحسان وبالله التوفيق .