تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
لما شهد فقد قذفه ولم يأت بأربعة من الشهداء فوجب عليه الحد لقوله تعالى : * ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) * أقصى ما في الباب أنهم عبروا عن ذلك القذف بلفظ الشهادة ، وذلك لا عبرة به لأنه يؤدي إلى إسقاط حد القذف رأساً ، لأن كل قاذف لا يعجزه لفظ الشهادة ، فيجعل ذلك وسيلة إلى إسقاط الحد عن نفسه ، ويحصل مقصوده من القذف الثاني : ما روي " أن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب أربعة : أبو بكرة ونافع ونفيع وقال زياد وكان رابعهم رأيت إستاً تنبو ونفساً يعلو ورجلاها على عاتقه كأذني حمار ، ولا أدري ما وراء ذلك ، فجلد عمر الثلاثة ولم يسأل هل معهم شاهد آخر " فلو قبل بعد ذلك شهادة غيرهم لتوقف ، لأن الحدود مما يتوقف فيها ويحتاط . المسألة الرابعة : لو شهد على الزنا أقل من أربعة لا يثبت الزنا ، وهل يجب حد القذف على الشهود فيه قولان : أحدهما : لا يجب لأنهم جاءوا مجيء الشهود ، ولأنا لو حددنا لا نسد باب الشهادة على الزنا ، لأن كل واحد لا يأمن أن لا يوافقه صاحبه فيلزمه الحد والقول الثاني : وهو الأصح ، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله : يجب عليهم الحد ، والدليل عليه الوجهان اللذان ذكرناهما في المسألة الثالثة . المسألة الخامسة : إذا قذف رجل رجلاً فجاء بأربعة فساق فشهدوا على المقذوف بالزنا ، قال أبو حنيفة رحمه الله : يسقط الحد عن القاذف ولا يجب الحد على الشهود . وقال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه : يحدون ، وجه قول أبي حنيفة قوله : * ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) * وهذا قد أتى بأربعة شهداء فلا يلزمه الحد . ولأن الفاسق من أهل الشهادة وقد وجدت شرائط شهادة الزنا من اجتماعهم عند القاضي ، إلا أنه لم تقبل شهادتهم لأجل التهمة ، فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه فكذلك وجب اعتبارها في نفي الحد عنهم ، ووجه قول الشافعي رحمه الله أنهم غير موصوفين بالشرائط المعتبرة في قبول الشهادة فخرجوا عن أن يكونوا شاهدين ، فبقوا محض القاذفين ، وههنا آخر الكلام في تفسير قوله تعالى : * ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) * . أما قوله تعالى : * ( فاجلدوهم ثمانين جلدة ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : المخاطب بقوله : * ( فاجلدوهم ) * هو الإمام على ما بيناه في آية الزنا ، أو المالك على مذهب الشافعي ، أو رجل صالح ينصبه الناس عند فقد الإمام . المسألة الثانية : خص من عموم هذه الآية صور : أحدها : الوالد يقذف ولده أو أحداً من نوافله ، فلا يجب عليه الحد ، كما لا يجب عليه القصاص بقتله الثانية : القاذف إذا كان عبداً فالواجب جلد أربعين ، وكذا المكاتب وأم الولد ، ومن بعضه حر وبعضه رقيق فحدهم حد العبيد الثالثة : من قذف رقيقة عفيفة أو من زنت في قديم الأيام ثم تابت فهي بموجب اللغة محصنة ، ومع ذلك لا يجب الحد بقذفها .