فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُواْ فِى الاَْرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ) *
اعلم أن هذا هو الشبهة الثالثة لمنكري النبوة ، وتقريرها : أنهم تمسكوا بصحة القول بالجبر على الطعن في النبوة فقالوا : لو شاء الله الإيمان لحصل الإيمان ، سواء جئت أو لم تجئ ، ولو شاء الله الكفر فإنه يحصل الكفر سواء جئت أو لم تجئ ، وإذا كان الأمر كذلك فالكل من الله تعالى ، ولا فائدة في مجيئك وإرسالك ، فكان القول بالنبوة باطلاً ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن هذه الشبهة هي عين ما حكى الله تعالى عنهم في سورة الأنعام في قوله : * ( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم ) * ( الأنعام : 148 ) واستدلال المعتزلة به مثل استدلالهم بتلك الآية . والكلام فيه استدلالاً واعتراضاً عين ما تقدم هناك فلا فائدة في الإعادة ، ولا بأس بأن نذكر منه القليل فنقول : الجواب عن هذه الشبهة هي أنهم قالوا : لما كان الكل من الله تعالى كان بعثة الأنبياء عبثاً . فنقول : هذا اعتراض على الله تعالى ، فإن قولهم : إذا لم يكن في بعثة الرسول مزيد فائدة في حصول الإيمان ودفع الكفر كانت بعثة الأنبياء غير جائزة من الله تعالى ، فهذا القول جار مجرى طلب العلة في أحكام الله تعالى وفي أفعاله ، وذلك باطل ، بل الله تعالى أن يحكم في ملكه وملكوته ما يشاء ويفعل ما يريد ، ولا يجوز أن يقال له : لم فعلت هذا ولم لم تفعل ذلك ؟ والدليل على أن الإنكار إنما توجه إلى هذا المعنى أنه تعالى صرح في آخر هذه الآية بهذا المعنى فقال : * ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاعات ) * فبين تعالى أن سنته في عبيده إرسال الرسل إليهم ، وأمرهم بعبادة الله ونهيهم عن عبادة الطاغوت .
ثم قال : * ( فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ) * والمعنى : أنه تعالى وإن أمر الكل بالإيمان ، ونهى الكل عن الكفر ، إلا أنه تعالى هدى البعض وأضل البعض ، فهذه سنة قديمة لله
تفسير الرازي — صفحة 27
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٧