وأما المرتبة الثانية : وهي السعادات البدنية فهي أيضاً قسمان : الصحة الجسدانية ، وكمالات القوى الحيوانية ، أعني القوى السبع عشرة البدنية .
وأما المرتبة الثالثة : وهي السعادات المتعلقة بالصفات العرضية البدنية ، فهي أيضاً قسمان : سعادة الأصول والفروع ، أعني كمال حال الآباء . وكمال حال الأولاد .
وأما المرتبة الرابعة : وهي أخس المراتب فهي السعادات الحاصلة بسبب الأمور المنفصلة وهي المال والجاه ، فثبت أن أشرف مراتب السعادات هي الأحوال النفسانية ، وهي محصورة في كمالات القوة النظرية والعملية ، فلهذا السبب ذكر الله ههنا أعلى حال هاتين القوتين فقال : * ( أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) * .
قوله تعالى
* ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) *
اعلم أنه تعالى لما بين فيما سبق أن معرفة الحق لذاته ، وهي المراد من قوله : * ( أنه لا إله إلا أنا ) * ومعرفة الخير لأجل العمل به وهي المراد من قوله : * ( فاتقون ) * ( النحل : 2 ) روح الأرواح ، ومطلع السعادات ، ومنبع الخيرات والكرامات ، أتبعه بذكر الدلائل على وجود الصانع الإله تعالى وكمال قدرته وحكمته .
واعلم أنا بينا أن دلائل الإلهيات ، إما التمسك بطريقة الإمكان في الذوات أو في الصفات . أو التمسك بطريقة الحدوث في الذوات أو في الصفات أو بمجموع الإمكان والحدوث في الذوات أو الصفات ، فهذه طرق ستة ، والطريق المذكور في كتب الله تعالى المنزلة ، هو التمسك بطريقة حدوث الصفات وتغيرات الأحوال . ثم هذا الطريق يقع على وجهين : أحدهما : أن يتمسك بالأظهر فالأظهر مترقياً إلى الأخفى فالأخفى ، وهذا الطريق هو المذكور في أول سورة البقرة ، فإنه تعالى قال : * ( اعبدوا ربكم الذي خلقكم ) * فجعل تعالى تغير أحوال نفس كل واحد دليلاً على احتياجه إلى الخالق . ثم ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال الآباء والأمهات ، وإليه الإشارة بقوله : * ( والذين من قبلكم ) * ( البقرة : 21 ) ثم ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال الأرض ، وهي قوله : * ( الذي جعل لكم الأرض فراشاً ) * لأن الأرض أقرب إلينا من السماء ، ثم ذكر في المرتبة الرابعة قوله : * ( والسماء بناء ) * ثم ذكر في المرتبة الخامسة الأحوال المتولدة من تركيب السماء بالأرض ، فقال : * ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ) * ( البقرة : 22 ) .
الثاني من الدلائل القرآنية ؛ أن يحتج الله تعالى بالأشرف فالأشرف نازلاً إلى الأدون
تفسير الرازي — صفحة 222
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٢٢