لأن الله تعالى وعد نبيه إظهار دينه على كل الأديان . ويدل على صحة هذا المعنى قوله تعالى بعد هذه الآية : * ( فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ) * ( إبراهيم : 47 ) أي قد وعدك الظهور عليهم والغلبة لهم . والمعنى : وما كان مكرهم لتزول منه الجبال ، أي وكان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال الراسيات التي هي دين محمد صلى الله عليه وسلم ، ودلائل شريعته ، وقرأ علي وعمرو : * ( أن كان مكرهم ) * .
قوله تعالى
* ( فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ) *
اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى : * ( ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون ) * ( إبراهيم : 42 ) وقال في هذه الآية : * ( فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ) * والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى لو لم يقم القيامة ولم ينتقم للمظلومين من الظالمين ، لزم إما كونه غافلاً وإما كونه مخلفاً في الوعد ، ولما تقرر في العقول السليمة أن كل ذلك محال كان القول بأنه لا يقيم القيامة باطلاً وقوله : * ( مخلف وعده رسله ) * يعني قوله : * ( إنا لننصر رسلنا ) * ( غافر : 51 ) وقوله : * ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) * ( المجادلة : 21 ) .
فإن قيل : هلا قيل مخلف رسله وعده ، ولم قدم المفعول الثاني على الأول ؟
قلنا : ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً ، إن الله لا يخلف الميعاد ، ثم قال : * ( رسله ) * ليدل به على أنه تعالى لما لم يخلف وعده أحداً وليس من شأنه إخلاف المواعيد فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته ، وقرئ : * ( مخلف وعد رسله ) * بجر الرسل ونصب الوعد ، والتقدير : مخلف رسله وعده ، وهذه القراءة في الضعف ، كمن قرأ قتل أولادهم شركائهم ثم قال : * ( إن الله عزيزاً ) * أي غالب لا يماكر ذو انتقام لأوليائه .
قوله تعالى
* ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الاَْرْضُ غَيْرَ الاَْرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِى الاَْصْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ * لِيَجْزِىَ اللَّهُ كُلَّ
تفسير الرازي — صفحة 145
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٤٥