تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
أن عقول جميع الخلائق لو ركبت وجعلت عقلاً واحداً ثم بذلك العقل يتأمل الإنسان في عجائب حكمة الله تعالى في أقل الأشياء لما أدرك منها إلا القليل ، فسبحانه تقدس عن أوهام المتوهمين . المثال الثاني : أنك إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها أما الأمور التي قبلها : فاعرف أن تلك اللقمة من الخبز لا تتم ولا تكمل إلا إذا كان هذا العالم بكليته قائماً على الوجه الأصوب ، لأن الحنطة لا بد منها ، وأنها لا تنبت إلا معونة الفصول الأربعة ، وتركيب الطبائع وظهور الرياح والأمطار ، ولا يحصل شيء منها إلا بعد دوران الأفلاك ، واتصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة في الحركات ، وفي كيفيتها في الجهة والسرعة والبطء ثم بعد أن تكون الحنطة لا بد من آلات الطحن والخبز ، وهي لا تحصل إلا عند تولد الحديد في أرحام الجبال ، ثم إن الآلات الحديدية لا يمكن إصلاحها إلا بآلات أخرى حديدية سابقة عليها ، ولا بد من انتهائها إلى آلة حديدية هي أول هذه الآلات ، فتأمل أنها كيف تكونت على الأشكال المخصوصة ، ثم إذا حصلت تلك الآلات فانظر أنه لا بد من اجتماع العناصر الأربعة ، وهي الأرض والماء والهواء والنار حتى يمكن طبخ الخبز من ذلك الدقيق . فهذا هو النظر فيما تقدم على حصول هذه اللقمة . وأما النظر فيما بعد حصولها : فتأمل في تركيب بدن الحيوان ، وهو أنه تعالى كيف خلق الأبدان حتى يمكنها الانتفاع بتلك اللقمة ، وأنه كيف يتضرر الحيوان بالأكل وفي أي الأعضاء تحدث تلك المضار ، ولا يمكنك أن تعرف القليل من هذه الأشياء إلا بمعرفة علم التشريح وعلم الطب بالكلية ، فظهر بما ذكرنا أن الانتفاع باللقمة الواحدة لا يمكن معرفته إلا بمعرفة جملة الأمور ، والعقول قاصرة عن إدراك ذرة من هذه المباحث ، فظهر بهذا البرهان القاهر صحة قوله تعالى : * ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) * ثم إنه تعالى قال : * ( إن الإنسان لظلوم كفار ) * قيل : يظلم النعمة بإغفال شكرها كفار شديد الكفران لها . وقيل : ظلوم في الشدة يشكو ويجزع ، كفار في النعمة يجمع ويمنع ، والمراد من الإنسان ههنا : الجنس ، يعني أن عادة هذا الجنس هو هذا الذي ذكرناه ، وههنا بحثان : البحث الأول : أن الإنسان مجبول على النسيان وعلى الملالة ، فإذا وجد نعمة نسيها في الحال وظلمها بترك شكرها ، وإن لم ينسها فإنه في الحال يملها فيقع في كفران النعمة ، وأيضاً أن نعم الله كثيرة فمتى حاول التأمل في بعضها غفل عن الباقي . البحث الثاني : أنه تعالى قال في هذا الموضع : * ( إن الإنسان لظلوم كفار ) * وقال في سورة النحل : * ( إن الله لغفور رحيم ) * ( النحل : 18 ) ولما تأملت فيه لاحت لي فيه دقيقة كأنه يقول : إذا حصلت النعم
تفسير الرازي — صفحة 130 | فخر الدين الرازي