ثم في العاقبة ظهر فكذا في واقعة محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي هذه السورة ذكر هذه القصة لأجل أن الكفار كانوا يبالغون في الإيحاش ، فذكر الله تعالى هذه القصة لبيان أن إقدام الكفار على الإيذاء والإيحاش كان حاصلاً في زمان نوح ، إلا أنه عليه السلام لما صبر نال الفتح والظفر ، فكن يا محمد كذلك لتنال المقصود ، ولما كان وجه الانتفاع بهذه القصة في كل سورة من وجه آخر لم يكن تكريرها خالياً عن الفائدة .
قوله تعالى
* ( وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ * ياقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الَّذِى فَطَرَنِى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) * .
اعلم أن هذا هو القصة الثانية من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة ، واعلم أن هذا معطوف على قوله : * ( ولقد أرسلنا نوحاً ) * ( الحديد : 26 ) والتقدير : ولقد أرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً وقوله : * ( هوداً ) * عطف بيان .
واعلم أنه تعالى وصف هوداً بأنه أخوهم ومعلوم أن تلك الأخوة ما كانت في الدين ، وإنما كانت في النسب ، لأن هوداً كان رجلاً من قبيلة عاد ، وهذه القبيلة كانت قبيلة من العرب وكانوا بناحية اليمن ، ونظيره ما يقال للرجل يا أخا تميم ويا أخا سليم ، والمراد رجل منهم .
فإن قيل : إنه تعالى ، قال في ابن نوح * ( إنه ليس من أهلك ) * ( هود : 46 ) فبين أن قرابة النسب لا تفيد إذا لم تحصل قرابة الدين ، وههنا أثبت هذه الأخوة مع الاختلاف في الدين ، فما الفرق بينهما ؟
قلنا : المراد من هذا الكلام استمالة قوم محمد صلى الله عليه وسلم ، لأن قومه كانوا يستعبدون في محمد مع أنه واحد من قبيلتهم أن يكون رسولاً إليهم من عند الله ، فذكر الله تعالى أن هوداً كان واحداً من عاد وأن صالحاً كان واحداً من ثمود لإزالة هذا الاستبعاد .
واعلم أنه تعالى حكى عن هود عليه السلام ، أنه دعا قومه إلى أنواع من التكاليف .
فالنوع الأول : أنه دعاهم إلى التوحيد ، فقال : * ( يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إن أنتم
تفسير الرازي — صفحة 9
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٩