تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
سوى الكتاب . وأيضاً فقد كان فيهم من يدعي إمكان المعارضة ، كما أخبر الله تعالى أنهم قالوا : * ( لو شئنا لقلنا مثل هذا ) * وإذا كان الأمر كذلك لا جرم طلبوا منه شيئاً آخر سوى القرآن ، ليكون معجزة له ، فحكى الله تعالى عنهم ذلك بقوله : * ( ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ) * فأمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام أن يقول عند هذا السؤال * ( إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) * . واعلم أن الوجه في تقرير هذا الجواب أن يقال : أقام الدلالة القاهرة على أن ظهور القرآن عليه معجزة قاهرة ظاهرة . لأنه عليه الصلاة والسلام بين أنه نشأ فيما بينهم وتربى عندهم ، وهم علموا أنه لم يطالع كتاباً ، ولم يتلمذ لأستاذ . بل كان مدة أربعين سنة معهم ومخالطاً لهم ، وما كان مشتغلاً بالفكر والتعلم قط ، ثم إنه دفعة واحدة ظهر هذا القرآن العظيم عليه ، وظهور مثل هذا الكتاب الشريف العالي ، على مثل ذلك الإنسان الذي لم يتفق له شيء من أسباب التعلم ، لا يكون إلا بالوحي . فهذا برهان قاهر على أن القرآن معجز قاهر ظاهر ، وإذا ثبت هذا كان طلب آية أخرى سوى القرآن من الاقتراحات التي لا حاجة إليها في إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام ، وتقرير رسالته ، ومثل هذا يكون مفوضاً إلى مشيئة الله تعالى ، فإن شاء أظهرها ، وإن شاء لم يظهرها ، فكان ذلك من باب الغيب ، فوجب على كل أحد أن ينتظر أنه هل يفعله الله أم لا ؟ ولكن سواء فعل أو لم يفعل ، فقد ثبتت النبوة ، وظهر صدقه في ادعاء الرسالة ، ولا يختلف هذا المقصود بحصول تلك الزيادة وبعدمها ، فظهر أن هذا الوجه جواب ظاهر في تقرير هذا المطلوب . قوله تعالى * ( وَإِذَآ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِى ءايَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن القوم لما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم آية أخرى سوى القرآن ، وأجاب الجواب الذي قررناه وهو قوله : * ( إنما الغيب لله ) * ( يونس : 20 ) ذكر جواباً آخر وهو المذكور في هذه الآية ، وتقريره من وجهين : الوجه الأول : أنه تعالى بين في هذه الآية أن عادة هؤلاء الأقوام المكر واللجاج والعناد