تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
فيه من تلك المحبة ، ولذلك قال تعالى من بعد : * ( فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ) * أي لا تحزن من ذلك ولا تغتم ولا تظن أن في ذلك مذلة ، فإن الدين عزيز ، وإن قل عدد من يتمسك به ، والباطل ذليل وإن كثر عدد من يقول به . قوله تعالى * ( وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ ) * قوله تعالى : * ( واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ) * . واعلم أن قوله تعالى : * ( إنه لن يؤمن قومك إلا من قد آمن ) * يقتضي تعريف نوح عليه السلام أنه معذبهم ومهلكهم ، فكان يحتمل أن يعذبهم بوجوه التعذيب ، فعرفه الله تعالى أنه يعذبهم بهذا الجنس الذي هو الغرق ، ولما كان السبيل الذي به يحصل النجاة من الغرق تكوين السفينة . لا جرم أمر الله تعالى بإصلاح السفينة وإعدادها ، فأوحى الله تعالى إليه أن يصنعها على مثال جؤجؤ الطائر . فإن قيل : قوله تعالى : * ( واصنع الفلك ) * أمر إيجاب أو أمر إباحة . قلنا : الأظهر أنه أمر إيجاب ، لأنه لا سبيل له إلى صون روح نفسه وأرواح غيره عن الهلاك إلا بهذا الطريق وصون النفس عن الهلاك واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ويحتمل أن لا يكون ذلك الأمر أمر إيجاب بل كان أمر إباحة ، وهو بمنزلة أن يتخذ الإنسان لنفسه داراً ليسكنها ويقيم بها . أما قوله : * ( بأعيننا ) * فهذا لا يمكن أجراؤه على ظاهره من وجوه : أحدها : أنه يقتضي أن يكون لله تعالى أعين كثيرة . وهذا يناقض ظاهر قوله تعالى : * ( ولتصنع على عيني ) * وثانيها : أنه يقتضي أن يصنع نوح عليه السلام ذلك الفلك بتلك الأعين ، كما يقال : قطعت بالسكين ، وكتبت بالقلم ، ومعلوم أن ذلك باطل . وثالثها : أنه ثبت بالدلائل القطعية العقلية كونه تعالى منزهاً عن الأعضاء والجوارح والأجزاء والأبعاض ، فوجب المصير فيه إلى التأويل ، وهو من وجوه : الأول : أن معنى * ( بأعيننا ) * أي بعين الملك الذي كان يعرفه كيف يتخذ السفينة ، يقال فلان عين على فلان نصب عليه ليكون منفحصاً عن أحواله ولا تحول عنه عينه . الثاني : أن من كان عظيم العناية بالشيء فإنه يضع عينه عليه ، فلما كان وضع العين على الشيء سبباً لمبالغة الاحتياط والعناية جعل العين كناية