تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
فقد ظهر أن قوله : * ( ولا أقول إني ملك ) * يدل على أنهم أكمل من البشر ، وأيضاً يمكن جعل هذا الكلام جواباً عما ذكروه من الشبهة فإنهم طعنوا في أتباعه بالفقر فقال : * ( ولا أقول لكم عندي خزائن الله ) * حتى أجعلهم أغنياء وطعنوا فيهم أيضاً بأنهم منافقون فقال : * ( ولا أعلم الغيب ) * حتى أعرف كيفية باطنهم وإنما أُجري الأحوال على الظواهر وطعنوا فيهم بأنهم قد يأتون بأفعال لا كما ينبغي فقال : * ( ولا أقول إني ملك ) * حتى أكون مبرأ عن جميع الدواعي الشهوانية والبواعث النفسانية . المسألة الثالثة : احتج قوم بهذه الآية على صدور الذنب من الأنبياء فقالوا : إن هذه الآية دلت على أن طرد المؤمنين لطلب مرضاة الكفار من أصول المعاصي ، ثم إن محمداً صلى الله عليه وسلم طرد فقراء المؤمنين لطلب مرضاة الكفار حتى عاتبه الله تعالى في قوله : * ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) * ( الأنعام : 52 ) وذلك يدل على إقدام محمد صلى الله عليه وسلم على الذنب . والجواب : يحمل الطرد المذكور في هذه الآية على الطرد المطلق على سبيل التأبيد ، والطرد المذكور في واقعة محمد صلى الله عليه وسلم ، على التقليل في أوقات معينة لرعاية المصالح . المسألة الرابعة : احتج الجبائي على أنه لا تجوز الشفاعة عند الله في دفع العقاب بقول نوح عليه السلام * ( من ينصرني من الله إن طردتهم ) * معناه إن كان هذا الطرد محرماً فمن ذا الذي ينصرني من الله ، أي من الذي يخلصني من عقابه ولو كانت الشفاعة جائزة لكانت في حق نوح عليه السلام أيضاً جائزة وحينئذ يبطل قوله : * ( من ينصرني من الله ) * واعلم أن هذا الاستدلال يشبه استدلالهم في هذه المسألة بقوله تعالى : * ( واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ) * إلى قوله : * ( ولا ينصرون ) * ( البقرة : 48 ) والجواب المذكور هناك هو الجواب عن هذا الكلام . قوله تعالى * ( قَالُواْ يا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ للَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ