تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو . والثاني : أنه ما المراد بهذه البينة . والثالث : أن المراد بقوله : * ( يتلوه ) * القرآن أو كونه حاصلاً عقيب غيره . والرابع : أن هذا الشاهد ما هو ؟ فهذه الألفاظ الأربعة مجملة فلهذا كثر اختلاف المفسرين في هذه الآية . أما الأول : وهو أن هذا الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو ؟ فقيل : المراد به النبي عليه الصلاة والسلام ، وقيل : المراد به من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره ، وهو الأظهر لقوله تعالى في آخر الآية : * ( أولئك يؤمنون به ) * وهذا صيغة جمع ، فلا يجوز رجوعه إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالبينة هو البيان والبرهان الذي عرف به صحة الدين الحق والضمير في * ( يتلوه ) * يرجع إلى معنى البينة ، وهو البيان والبرهان والمراد بالشاهد هو القرآن ، ومنه أي من الله ومن قبله كتاب موسى ، أي ويتلو ذلك البرهان من قبل مجيء القرآن كتاب موسى . واعلم أن كون كتاب موسى تابعاً للقرآن ليس في الوجود بل في دلالته على هذا المطلوب و * ( إماماً ) * نصب على الحال ، فالحاصل أنه يقول اجتمع في تقرير صحة هذا الدين أمور ثلاثة أولها : دلالة البينات العقلية على صحته . وثانيها : شهادة القرآن بصحته . وثالثها : شهادة التوراة بصحته ، فعند اجتماع هذه الثلاثة لا يبقى في صحته شك ولا ارتياب ، فهذا القول أحسن الأقاويل في هذه الآية وأقربها إلى مطابقة اللفظ وفيها أقوال أخر . فالقول الأول : أن الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه هو محمد عليه السلام والبينة هو القرآن ، والمراد بقوله : * ( يتلوه ) * هو التلاوة بمعنى القراءة وعلى هذا التقدير فذكروا في تفسير الشاهد وجوهاً : أحدها : أنه جبريل عليه السلام ، والمعنى : أن جبريل عليه السلام يقرأ القرآن على محمد عليه السلام . وثانيها : أن ذلك الشاهد هو لسان محمد عليه السلام وهو قول الحسن ورواية عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنهما قال : قلت لأبي أنت التالي قال : وما معنى التالي قلت قوله : * ( ويتلوه شاهد منه ) * قال وددت أني هو ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما كان الإنسان إنما يقرأ القرآن ويتلوه بلسانه لا جرم جعل اللسان تالياً على سبيل المجاز كما يقال : عين باصرة وأذن سامعة ولسان ناطق . وثالثها : أن المراد هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والمعنى أنه يتلو تلك البينة وقوله : * ( منه ) * أي هذا الشاهد من محمد وبعض منه ، والمراد منه تشريف هذا الشاهد بأنه بعض من محمد عليه السلام . ورابعها : أن لا يكون المراد بقوله : * ( ويتلوه ) * القرآن بل حصول هذا الشاهد عقيب تلك البينة ، وعلى هذا الوجه قالوا إن المراد أن صورة النبي عليه السلام ووجهه ومخايله كل ذلك يشهد بصدقه ، لأن من نظر إليه بعقله علم أنه ليس بمجنون
تفسير الرازي — صفحة 201 | فخر الدين الرازي