حصولها إنما كان على سبيل الاتفاق أو بسبب أن الإنسان حصلها بسبب جده وجهده ، فحينئذ لا يشتغل بشكر الله تعالى على تلك النعمة . فالحاصل أن الكافر يكون عند زوال تلك النعمة يؤوساً وعند حصولها يكون كفوراً .
وأما القسم الثاني : وهو أن ينتقل الإنسان من المكروه إلى المحبوب ، ومن المحنة إلى النعمة ، فههنا الكافر يكون فرحاً فخوراً . أما قوة الفرح فلأن منتهى طمع الكافر هو الفوز بهذه السعادات الدنيوية وهو منكر للسعادات الأخروية الروحانية ، فإذا وجد الدنيا فكأنه قد فاز بغاية السعادات فلا جرم يعظم فرحه بها ، وأما كونه فخوراً فلأنه لما كان الفوز بسائر المطلوب نهاية السعادة لا جرم يفتخر به ، فحاصل الكلام أنه تعالى بين أن الكافر عند البلاء لا يكون من الصابرين ، وعند الفوز بالنعماء لا يكون من الشاكرين . ثم لما قرر ذلك قال : * ( إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ) * والمراد منه ضد ما تقدم فقوله : * ( إلا الذين صبروا ) * المراد منه أن يكون عند البلاء من الصابرين ، وقوله : * ( وعملوا الصالحات ) * المراد منه أن يكون عند الراحة والخير من الشاكرين . ثم بين حالهم فقال : * ( أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ) * فجمع لهم بين هذين المطلوبين . أحدهما : زوال العقاب والخلاص منه وهو المراد من قوله : * ( لهم مغفرة ) * والثاني : الفوز بالثواب وهو المراد من قوله : * ( وأجر كبير ) * ومن وقف على هذا التفصيل الذي ذكرناه علم أن هذا الكتاب الكريم كما أنه معجز بحسب ألفاظه فهو أيضاً معجز بحسب معانيه .
قوله تعالى
* ( فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ) * .
اعلم أن هذا نوع آخر من كلمات الكفار ، والله تعالى بين أن قلب الرسول ضاق بسببه ، ثم إنه تعالى قواه وأيده بالإكرام والتأييد ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رؤساء مكة قالوا : يا محمد اجعل لنا
تفسير الرازي — صفحة 192
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٩٢