خلقكم والذين من قبلكم ) * ( البقرة : 21 ) إنما حسن ذلك لأن الأمر بالعبادة يتضمن الأمر بتحصيل المعرفة فلا جرم ذكر ما يدل على تحصيل المعرفة .
ثم قال : * ( إنني لكم منه نذير وبشير ) * وفيه مباحث :
البحث الأول : أن الضمير في قوله : * ( منه ) * عائد إلى الحكيم الخبير ، والمعنى : إنني لكم نذير وبشير من جهته .
البحث الثاني : أن قوله : * ( ألا تعبدوا إلا الله ) * مشتمل على المنع عن عبادة غير الله ، وعلى الترغيب في عبادة الله تعالى ، فهو عليه الصلاة والسلام نذير على الأول بإلحاق العذاب الشديد لمن لم يأت بها وبشير على الثاني بإلحاق الثواب العظيم لمن أتى بها .
واعلم أنه صلى الله عليه وسلم ما بعث إلا لهذين الأمرين ، وهو الإنذار على فعل ما لا ينبغي ، والبشارة على فعل ما ينبغي .
المرتبة الثانية : من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله : * ( وأن استغفروا ربكم ) * .
والمرتبة الثالثة : قوله : * ( ثم توبوا إليه ) * واختلفوا في بيان الفرق بين هاتين المرتبتين على وجوه :
الوجه الأول : أن معنى قوله : * ( وأن استغفروا ) * اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم ، ثم بين الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة ، فقال : * ( ثم توبوا إليه ) * لأن الداعي إلى التوبة والمحرض عليها هو الاستغفار الذي هو عبارة عن طلب المغفرة وهذا يدل على أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار التوبة ، والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن المذنب معرض عن طريق الحق ، والمعرض المتمادي في التباعد ما لم يرجع عن ذلك الإعراض لا يمكنه التوجه إلى المقصود بالذات ، فالمقصود بالذات هو التوجه إلى المطلوب إلا أن ذلك لا يمكن إلا بالإعراض عما يضاده ، فثبت أن الاستغفار مطلوب بالذات ، وأن التوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار ، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب ، فلهذا السبب قدم ذكر الاستغفار على التوبة .
الوجه الثاني : في فائدة هذا الترتيب أن المراد : استغفروا من سالف الذنوب ثم توبوا إليه في المستأنف .
الوجه الثالث : وأن استغفروا من الشرك والمعاصي ، ثم توبوا من الأعمال الباطلة .
الوجه الرابع : الاستغفار طلب من الله لإزالة ما لا ينبغي والتوبة سعي من الإنسان في إزالة ما لا ينبغي ، فقدم الاستغفار ليدل على أن المرء يجب أن لا يطلب الشيء إلا من مولاه فإنه هو الذي
تفسير الرازي — صفحة 181
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٨١