بهذا القياس إلا بمتابعة الظن ، وحينئذ يندرج تحت النص الدال على أن متابعة الظن مذمومة .
والجواب : لم لا يجوز أن يقال : الظن عبارة عن الاعتقاد الراجح إذا لم يستند إلى أمارة وهو مثل اعتقاد الكفار أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستنداً إلى أمارة ، فهذا الاعتقاد لا يسمى ظناً . وبهذا الطريق سقط هذا الاستدلال .
ثم قال تعالى : * ( إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) * وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في تفسيره قولان : الأول : أن يكون المراد أنك بعد ما عرفت أن الحق ما هو ، وأن الباطل ما هو ، فلا تكن في قيدهم بل فوض أمرهم إلى خالقهم ، لأنه تعالى عالم بأن المهتدي من هو ؟ والضال من هو ؟ فيجازي كل واحد بما يليق بعمله . والثاني : أن يكون المراد أن هؤلاء الكفار وإن أظهروا من أنفسهم ادعاء الجزم واليقين فهم كاذبون ، والله تعالى عالم بأحوال قلوبهم وبواطنهم ، ومطلع على كونهم متحيرين في سبيل الضلال تائهين في أودية الجهل .
المسألة الثانية : قوله : * ( إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله ) * فيه قولان : الأول : قال بعضهم * ( أعلم ) * ههنا بمعنى يعلم والتقدير : إن ربك يعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين . فإن قيل : فهذا يوجب وقوع التفاوت في علم الله تعالى وهو محال .
قلنا : لا شك أن حصول التفاوت في علم الله تعالى محال . إلا أن المقصود من هذا اللفظ أن العناية بإظهار هداية المهتدين فوق العناية بإظهار ضلال الضالين ، ونظيره قوله تعالى : * ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ، فلها ) * فذكر الإحسان مرتين والإسارة مرة واحدة . والثاني : أن موضع * ( من ) * رفع بالابتداء ولفظها لفظ الاستفهام ، والمعنى إن ربك هو أعلم أي الناس يضل عن سبيله * ( قال ) * وهذا مثل قوله تعالى : * ( لنعلم أي الحزبين أحصى وهذا قول : المبرد والزجاج والكسائي والفراء .
* ( فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ سْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ) * .
في الآية مباحث نذكرها في معرض السؤال والجواب .
السؤال الأول : " الفاء " في قوله : * ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ) * يقتضي تعلقاً بما تقدم ، فما ذلك الشيء ؟
والجواب : قوله : * ( فكلوا ) * مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحللون الحرام ويحرمون الحلال ، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين : إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن
تفسير الرازي — صفحة 164
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦٤