تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
أبواب كل شئ ونقلناهم من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء وأنواع الآلاء والنعماء والمقصود أنه تعالى عاملهم بتسليط المكاره والشدائد عليهم تارة فلم ينتفعوا به ، فنقلهم من تلك الحالة إلى ضده وهو فتح أبواب الخيرات عليهم وتسهيل موجبات المسرات والسعادات لديهم فلو ينتفعوا به أيضا . وهذا كما يفعله الأب المشفق بولده يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلبا لصلاحه . حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الخير والنعم ، لم يزيدوا على الفرح والبطر من غير انتداب لشكر ولا اقدام على اعتذار وتوبة ، فلا جرم أخذناهم بغتة واعلم أن قوله ( فتحنا عليهم أبواب كل شئ ) معناه فتحنا عليهم أبواب كل شئ كان مغلقا عنهم من الخير ، ( حتى إذا فرحوا ) أي حتى إذا ظنوا أن الذي نزل بهم من البأساء والضراء ما كان على سبيل الانتقام من الله . ولما فتح الله عليهم أبواب الخيرات ظنوا ان ذلك باستحقاقهم ، فعند ذلك ظهر أن قلوبهم قست وماتت . وانه لا يرجى لها انتباه بطريق من الطرق ، لا جرم فاجأهم الله بالعذاب من حيث لا يشعرون . قال الحسن : في هذه الآية مكر بالقوم ورب الكعبة ، وقال صلى الله عليه وسلم : إذا رأيت الله يعطى على المعاصي فان ذلك استدراج من الله تعالى ثم قرأ هذه الآية . قال أهل المعاني : وانما أخذوا في حال الرخاء والراحة ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية وقوله ( فإذا هم مبلسون ) أي آيسون من كل خير . قال الفراء : المبلس الذي انقطع رجاؤه ، ولذلك قيل للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس . وقال الزجاج : المبلس الشديد الحسرة الحزين ، والابلاس في اللغة يكون بمعنى اليأس من النجاة عند ورود الهلكة ، ويكون بمعنى انقطاع الحجة ، ويكون بمعنى الحيرة بما يرد على النفس من الليلة . وهذه المعاني متقاربة ثم قال تعالى ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا ) الدابر التابع للشئ من خلفه كالولد للوالد يقال : دبر فلان القوم يدبرهم دبورا ودبرا إذا كان آخرهم . قال أمية بن أبي الصلت : فاستؤصلوا بعذاب حص دابرهم فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا وقال أبو عبيدة : دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم . وقال الأصمعي الدابر الأصل يقال قطع الله دابره أي أذهب الله أصله . وقوله ( والحمد لله رب العالمين ) فيه وجوه : الأول : معناه أنه تعالى حمد نفسه على أن قطع دابرهم واستأصل شأفتهم لان ذلك كان جاريا مجرى النعمة العظيمة على أولئك الرسل في إزالة شرهم عن أولئك الأنبياء . والثاني : انه تعالى لما علم قسوة قلوبهم لزم أن يقال : انه كلما ازدادت مدة حياتهم ازدادت أنواع كفرهم ومعاصيهم ، فكانوا يستوجبون به مريد العقاب والعذاب . فكان افناؤهم وأمانتهم في تلك الحالة موجبا ان لا يصيروا مستوجبين