تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
وعن طريقها ويصيرهم إلى النار ، وأكد القاضي هذا القول بأنه تعالى بين في سائر الآيات أنه يحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً مأواهم جهنم . والوجه الثاني : قال الجبائي أيضاً ويحتمل أنهم كذلك في الدنيا ، فيكون توسعاً من حيث جعلوا بتكذيبهم بآيات الله تعالى في الظلمات لا يهتدون إلى منافع الدين ، كالصم والبكم الذين لا يهتدون إلى منافع الدنيا . فشبههم من هذا الوجه بهم ، وأجرى عليهم مثل صفاتهم على سبيل التشبيه . والوجه الثالث : قال الكعبي قوله * ( صم وبكم ) * محمول على الشتم والإهانة ، لا على أنهم كانوا كذلك في الحقيقة . وأما قوله تعالى : * ( من يشأ الله يضلله ) * فقال الكعبي : ليس هذا على سبيل المجاز لأنه تعالى وإن أجمل القول فيه ههنا ، فقد فصله في سائر الآيات وهو قوله * ( ويضل الله الظالمين ) * ( إبراهيم : 27 ) وقوله * ( وما يضل به إلا الفاسقين ) * ( البقرة : 26 ) وقوله * ( والذين اهتدوا زادهم هدىً ) * ( محمد : 17 ) وقوله * ( يهدي به الله من اتبع رضوانه ) * ( المائدة : 16 ) وقوله * ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) * ( إبراهيم : 27 ) وقوله * ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سلبنا ) * ( العنكبوت : 69 ) فثبت بهذه الآيات أن مشيئة الهدى والضلال وإن كانت مجملة في هذه الآية ، إلا أنها مخصصة مفصلة في سائر الآيات ، فيجب حمل هذا المجمل على تلك المفصلات ، ثم إن المعتزلة ذكروا تأويل هذه الآية على سبيل التفصيل من وجوه : الأول : أن المراد من قوله * ( من يشأ الله يضلله ) * محمول على منع الألطاف فصاروا عندها كالصم والبكم . والثاني : * ( من يشأ الله يضلله ) * يوم القيامة عن طريق الجنة وعن وجدان الثواب ، ومن يشأ أن يهديه إلى الجنة يجعله على صراط مستقيم ، وهو الصراط الذي يسلكه المؤمنون إلى الجنة . وقد ثبت بالدليل أنه تعالى لا يشاء هذا الاضلال إلا لمن يستحق عقوبة كما لا يشاء الهدى إلا للمؤمنين . وأعلم أن هذه الوجوه التي تكلفها هؤلاء الأقوام إنما يحسن المصير إليها لو ثبت في العقل أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره . وأما لما ثبت بالدليل العقلي القاطع أنه لا يمكن حمل هذا الكلام إلا على ظاهره كان العدول إلى هذه الوجوه المتكلفة بعيداً جداً ، وقد دللنا على أن الفعل لا يحصل إلا عند حصول الداعي ، وبينا أن خالق ذلك الداعي هو الله ، وبينا أن عند حصوله يجب الفعل ، فهذه المقدمات الثلاثة توجب القطع بأن الكفر والإيمان من الله ، وبتخليقه وتقديره وتكوينه ، ومتى ثبت بهذا البرهان القاطع صحة هذا الظاهر ، كان الذهاب إلى هذه التكلفات فاسداً قطعاً ، وأيضاً فقد تتبعنا هذه الوجوه بالابطال والنقض في تفسير قوله * ( ختم الله على قلوبهم ) * ( البقرة : 7 ) وفي سائر الآيات ، فلا حاجة إلى الإعادة ، وأقربها أن هذا الاضلال والهداية معلقان بالمشيئة ، وعلى ما قالوه : فهو أمر واجب على الله تعالى يجب عليه أن يفعله شاء أم أبى والله أعلم .
تفسير الرازي — صفحة 221 | فخر الدين الرازي