هذا الكفر منه لا محالة ، وأما إن كانت هذه القدرة ، كما أنها صلحت للكفر فهي أيضاً صالحة للإيمان ، فلما استوت نسبة القدرة إلى الطرفين امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر ، إلا لداعية مرجحة ، وحصول تلك الداعية ليس من العبد ، وإلا وقع التسلسل ، فثبت أن خالق تلك الداعية هو الله تعالى ، وثبت أن مجموع القدرة مع الداعية الحاصلة موجب للفعل ، فثبت أن خالق مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية المستلزمة لذلك الكفر مريد لذلك الكفر ، وغير مريد لذلك الإيمان . فهذا البرهان اليقيني قوي ظاهر بهذه الآية ، ولا بيان أقوى من أن يتطابق البرهان مع ظاهر القرآن . قالت المعتزلة : المراد لولو شاء الله أن يلجئهم إلى الإيمان لجمعهم علي . قال القاضي : والالجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه ، وحينئذٍ يمتنعون من فعل شيء غير الإيمان . ومثاله : أن أحدنا لو حصل بحضرة السلطان وحضر هناك من حشمه الجمع العظيم ، وهذا الرجل علم أنه لو هم بقتل السلطان لقتلوه في الحال ، فإن هذا العلم يصير مانعاً له من قصد قتلك ذلك السلطان ، ويكون ذلك سبباً لكونه ملجأ إلى ترك ذلك الفعل فكذا ههنا . إذا عرفت الالجاء فنقول : إنه تعالى إنما ترك فعل هذا الالجاء لأن ذلك يزيل تكليفهم فيكون ما يقع منهم كأن لم يقع ، وإنما أراد تعالى أن ينتفعوا بما يختارونه من قبل أنفسهم من جهة الوصلة إلى الثواب ، وذلك لا يكون إلا اختياراً . والجواب : أنه تعالى أراد منهم الاقدام على الإيمان حال كون الداعي إلى الإيمان وإلى الكفر على السوية أو حال حصول هذا الرجحان . والأول : تكليف ما لا يطاق ، لأن الأمر بتحصيل الرجحان حال حصول الاستواء ، تكليف بالجمع بين النقيضين وهو محال ، وإن كان الثاني : فالطرف الراجح يكون واجب الوقوع ، والطرف المرجوح يكون ممتنع الوقوع ، وكل هذه الأقسام تنافي ما ذكروه من المكنة والاختيار ، فسقط قولهم بالكلية . والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله تعالى في آخر الآية * ( فلا تكونن من الجاهلين ) * نهي له عن هذه الحالة ، وهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة كما أن قوله * ( ولا تطع الكافرين والمنافقين ) * ( الأحزاب : 48 ) لا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أطاعهم وقبل دينهم ، والمقصود أنه لا ينبغي أن يشتد تحسرك على تكذيبهم ، ولا يجوز أن تجزع من إعراضهم عنك فإنك لو فعلت ذلك قرب حالك من حال الجاهل ، والمقصود من تغليظ الخطاب التبعيد والزجر له عن مثل هذه الحالة . والله أعلم .
تفسير الرازي — صفحة 208
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٠٨