المسألة الثانية : قال القاضي : دلت هذه الآية على أنه لا يجوز من الله تعالى أن يمنع العبد لطفاً . علم أنه لو فعله لآمن عنده لأنه بيّن أنه إنما لا ينزل هذا الكتاب من حيث إنه لو أنزله لقالوا هذا القول ، ولا يجوز أن يخبر بذلك إلا والمعلوم أنهم لو قبلوه وآمنوا به لأنزله لا محالة فثبت بهذا وجوب اللطف ، ولقائل أن يقول : أن قوله لو أنزل الله عليهم هذا الكتاب لقالوا هذا القول لا يدل على أنه تعلى ينزله عليهم ، لو لم يقولوا هذا القول إلا على سبيل دليل الخطاب ، وهو عنده ليس بحجة ، وأيضاً فليس كل مما فعله الله وجب عليه ذلك ، وهذه الآية إن دلّت فإنما تدل على الوقوع لا على وجوب الوقوع والله أعلم .
قوله تعالى
* ( وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ الاَْمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ) * .
اعلم أن هذا النوع الثالث من شبه منكري النبوّات فإنهم يقولون : لو بعث الله إلى الخلق رسولاً لوجب أن يكون ذلك الرسول واحداً من الملائكة فإنهم إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر ، وقدرتهم أشد ، ومهابتهم أعظم ، وامتيازهم عن الخلق أكمل ، والشبهات والشكوك في نبوّتهم ورسالتهم أقل . والحكيم إذا أراد تحصيل مهم فكل شيء كان أشد إفضاءً إلى تحصيل ذلك المطلوب كان أولى . فلما كان وقوع الشبهات في نبوّة الملائكة أقل ، وجب لو بعث الله رسولاً إلى الخلق أن يكون ذلك الرسول من الملائكة هذا هو المراد من قوله تعالى : * ( وقالوا لولا أنزل عليه ملك ) * . واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من وجهين : أما الأول : فقوله * ( ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ) * ومعنى القضاء الإتمام والإلزام . وقد ذكرنا معاني القضاء في سورة البقرة . ثم ههنا وجوه : الأول : أن إنزال الملك على البشر آية باهرة ، فبتقدير إنزال الملك على هؤلاء الكفار فربما لم يؤمنوا كما قال : * ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ) * إلى قوله * ( ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ) * ( الأنعام : 111 ) وإذا لم يؤمنوا وجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال ، فإن سنّة الله جارية بأن عند ظهور الآية الباهرة إن لم يؤمنوا جاءهم عذاب الاستئصال ، فههنا ما أنزل الله تعالى الملك إليهم لئلا يستحقوا هذا العذاب والوجه الثاني : أنهم إذا شاهدوا الملك رهقت أرواحهم من هول ما يشهدون ، وتقريره : أن الآدمي
تفسير الرازي — صفحة 161
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦١