تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
واعلم أن العلماء قالوا هذا يدل على أن طعمة وقومه كانوا منافقين ، وإلا لما طلبوا من الرسول نصرة الباطل وإلحاق السرقة باليهودي على سبيل التخرص والبهتان ، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى : * ( وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء ) * ( النساء : 113 ) ثم روي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد وثقب حائطاً هناك لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات . المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي : قوله * ( أراك الله ) * إما أن يكون منقولاً بالهمزة من رأيت التي يراد بها رؤية البصر ، أو من رأيت التي تتعدى إلى المفعولين ، أو من رأيت التي يراد بها الاعتقاد ، والأول باطل لأن الحكم في الحادثة لا يرى بالبصر ، والثاني أيضاً باطل لأنه يلزم أن يتعدى إلى ثلاثة لا إلى المفعولين بسبب التعدية ، ومعلوم أن هذا اللفظ لم يتعد إلا إلى مفعولين أحدهما : الكاف التي هي للخطاب ، والآخر المفعول المقدر ، وتقديره : بما أراكه الله ، ولما بطل الاسمان بقي الثالث ، وهو أن يكون المراد منه رأيت بمعنى الاعتقاد . المسألة الثالثة : اعلم أنه ثبت بما قدمنا أن قوله * ( بما أراك الله ) * معناه بما أعلمك الله ، وسمي ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية في القوة والظهور ، وكان عمر يقول : لا يقولن أحد قضيت بما أراني الله تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيّه ، وأما الواحد منا فرأيه يكون ظناً ولا يكون علماً . إذا عرفت هذا فنقول : قال المحققون : هذه الآية تدل على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يحكم إلا بالوحي والنص . وإذا عرفت هذا فنقول : تفرع عليه مسألتان : إحداهما : أنه لما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يحكم إلا بالنص ، فوجب أن يكون حال الأمة كذلك لقوله تعالى : * ( واتبعوه ( الأعراف : 158 ) وإذا كان كذلك وجب أن يكون العمل بالقياس حراماً . والجواب عنه أنه لما قامت الدلالة على أن القياس حجة كان العمل بالقياس عملاً بالنص في الحقيقة ، فإنه يصير التقدير كأنه تعالى قال : مهما غلب على ظنك أن حكم الصورة المسكوت عنها مثل حكم الصورة المنصوص عليها بسبب أمر جامع بين الصورتين فاعلم أن تكليفي في حقك أن تعمل بموجب ذلك الظن ، وإذا كان الأمر كذلك كان العمل بهذا القياس عملاً بعين النص . أما قوله : * ( ولا تكن للخائنين خصيماً ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : معنى الآية : ولا تكن لأجل الخائنين مخاصماً لمن كان بريئاً عن الذنب ، يعني