وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك ، وزادوا فيه وألقوا الرعب في قلوب الضعفة والمساكين ، فظهر من هذا أن ذلك الارجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه ، ولما كان الأمر كذلك ذم الله تلك الإذاعة وذلك التشهير ، ومنعهم منه .
واعلم أن قوله : أذاعه به لغتان .
ثم قال تعالى : * ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) * .
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في * ( أولي الأمر ) * قولان : أحدهما : إلى ذوي العلم والرأي منهم . والثاني : إلى أمراء السرايا ، وهؤلاء رجحوا هذا القول على الأول ، قالوا لأن أولي الأمر الذين لهم أمر على الناس ، وأهل العلم ليسوا كذلك ، إنما الأمراء هم الموصوفون بأن لهم أمراً على الناس .
وأجيب عنه : بأن العلماء إذا كانوا عالمين بأوامر الله ونواهيه ، وكان يجب على غيرهم قبول قولهم لم يبعد أن يسموا أولي الأمر من هذا الوجه ، والذي يدل عليه قوله تعالى : * ( ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) * ( التوبة : 122 ) فأوجب الحذر بانذراهم وألزم المنذرين قبول قولهم ، فجاز لهذا المعنى إطلاق اسم أولي الأمر عليهم .
المسألة الثانية : الاستنباط في اللغة الاستخراج ؛ يقال : استنبط الفقيه إذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه ، وأصله من النبط وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر ، والنبط إنما سموا نبطا لاستنباطهم الماء من الأرض .
المسألة الثالثة : في قوله : * ( الذين يستنبطونه منهم ) * قولان : الأول : أنهم هم أولئك المنافقون المذيعون ، والتقدير : ولو أن هؤلاء المنافقين المذيعين ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولي الأمر ، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، وهم هؤلاء المنافقون المذيعون منهم ، أي من جانب الرسول ومن جانب أولي الأمر .
القول الثاني : أنهم طائفة من أولي الأمر ، والتقدير : ولو أن المنافقين ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولي الأمر ، وذلك لأن أولي الأمر فريقان ، بعضهم من يكون مستنبطا ، وبعضهم من لا يكون كذلك ، فقوله : * ( منهم ) * يعني لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولي الأمر .
فان قيل : إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى أولي الأمر هم المنافقون ، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله : * ( وإلى أولي الأمر منهم ) * .
تفسير الرازي — صفحة 199
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٩٩