الأول : كأن المصلى يقول : شرعت في العبادة فاستعين بك في اتمامها ، فلا تمنعني اتمامها بالموت
ولا بالمرض ولا بقلب الدواعي وتغيرها . الثاني : كأن الانسان يقول : يا إلهي إني أتيت بنفسي
إلا أن لي قلبا يفر منى ، فأستعين بك في احضاره ، وكيف وقد قال عليه الصلاة والسلام : قلب
المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ، فدل ذلك على أن الانسان لا يمكنه إحضار القلب إلا بإعانة
الله . الثالث : لا أريد الإعانة غيرك لا جبريل ولا مكائيل ، بل أريدك وحدك وأقتدي في هذا
المذهب بالخليل عليه السلام لأنه لما قيد نمروذ رجليه ويديه ورماه في النار جاء جبريل عليه السلام
وقال له : هل لك من حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ، فقال : سله ، فقال : حسبي من سؤالي علمه
بحالي ، بل ربما أزيد على الخليل في هذا الباب ، وذلك لأنه قيد رجلاه ويداه لا غير ، وأما أنا
فقيدت رجلي فلا أسير ويدي فلا أحركهما ، وعيني فلا أنظر بهما ، وأذني فلا أسمع بهما ، ولساني
فلا أتكلم به ، وكان الخليل مشرفا على نار نمروذ وأنا مشرف على نار جهنم ، فكما لم يرض الخليل
عليه السلام بغيرك معينا فكذلك لا أريد معينا غيرك ، فإياك نعبد وإياك نستعين ، فكأنه تعالى
يقول : أتيت بفعل الخليل وزدت عليه ، فنحن نزيد أيضا في الجزاء لأنا ثمت قلنا : ( يا نار كوني
بردا وسلاما على إبراهيم ) وأما أنت فقد نجيناك من النار ، وأوصلناك إلى الجنة ، وزدناك سماع
الكلام القديم ، ورؤية الموجود القديم ، وكما أنا قلنا لنار نمروذ ( يا نار كوني بردا وسلاما على
إبراهيم ) فكذلك تقول لك نار جهنم : جز يا مؤمن من قد أطفأ نورك لهبي . الرابع : إياك نستعين :
أي : لا أستعين بغيرك ، وذلك لان ذلك الغير لا يمكنه إعانتي إلا إذا أعنته على تلك الإعانة ،
فإذا كانت إعانة الغير لا تتم إلا بإعانتك فلنقطع هذه الواسطة ولنقتصر على اعانتك ، الوجه
الخامس : قوله إياك نعبد يقتضى حصول رتبة عظيمة للنفس بعبادة الله تعالى ، وذلك يورث
العجب فأردف بقوله وإياك نستعين ليدل ذلك على أن تلك الرتبة الحاصلة بسبب العبادة ما حصلت
من قوة العبد ، بل إنما حصلت بإعانة الله فالمقصود من ذكر قوله وإياك نستعين إزالة العجب
وافناء تلك النخوة والكبر .
الفصل السابع
في قوله اهدنا الصراط المستقيم ، وفيه فوائد
الفائدة الأولى : لقائل أن يقول : المصلى لا بد وأن يكون مؤمنا ، وكل مؤمن مهتد ، فالمصلى
مهتد ، فإذا قال : اهدنا كان جاريا مجرى أن من حصلت له الهداية فإنه يطلب الهداية فكان هذا
طلبا لتحصيل الحاصل ، وأنه محال ، والعلماء أجابوا عنه من وجوه :
تفسير الرازي — صفحة 254
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٥٤