وبأنّه تعالى أوجب غَسل الوجه واليدين والمسح عند إرادة القيام إلى الصلاة بلا فصلٍ ، وفعلُ الجميع دفعةً متعذّر ، فيحمل على الممكن ، وهو المتعابعة . وبما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام أنّه قال : « إذا توضّأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتى يبس وضوؤك فأعد وضوءك فإنّ الوضوء لا يتبعّض » ( 1 ) فحكمه عليه السّلام بأنّ الوضوء لا يتبعّض يصدق مع الجفاف وعدمه . وبقوله عليه السّلام : « أتبع وضوءك بعضه بعضا » . ( 2 ) وبالوضوء البياني كما تقدّم من أنّه لو لم يتابعه لوجب التفريق ، وهو خلاف الإجماع . وبأنّه أحوط . ( 3 ) وفي كلّ واحد من هذه الوجوه نظر . أمّا الأوّل : فلأنّه مخالف لمذهبه في سائر كتبه الأُصوليّة حيث ذهب إلى أنّ الأمر لا يفيد الفور ولا التراخي لاستعماله فيهما ، ( 4 ) بل هو الظاهر من دليله هنا في قوله : لأنّه أحوط فإنّ البحث ليس فيه ، بل في الواجب الذي يحصل الإثم بتركه . والاستدلال بآية المسارعة أجاب هو عنها في الكتب الأُصوليّة بأنّ المسارعة إلى المغفرة مجاز إذ المراد ما يقتضيها . ولو سلَّم كونها للوجوب والفور ، فلا تدلّ على فوريّة مطلق الأمر لأنّ المسارعة إلى المغفرة بفعل سببها وهو التوبة ، وهو واجب فوريّ . ( 5 ) وأمّا الآية الثانية : فنمنع أنّ الأمر فيها للوجوب إذ ليس استباق جميع الخيرات واجباً . وأمّا قوله : إنّ اللَّه سبحانه أوجب غَسل الوجه عقيب إرادة القيام إلى الصلاة بلا فصلٍ بناءً على دلالة الفاء على التعقيب بغير مهلة : فقد أُجيب عنه بأنّ الفاء الدالَّة عليه كذلك هي العاطفة ، كقولك : جاء زيد فعمرو ، وأمّا الداخلة على الجزاء ، كقولك : إذا جاء زيد فأكرمه ، فقد نصّوا على عدم إفادتها التعقيب . ومع تسليمه يلزم عدم جواز تأخير الطهارة عن أوّل وقت لمن أراد القيام إلى الصلاة في آخر الوقت مثلاً إذ يصدق عليه أنّه مريد القيام
روض الجنان في شرح ارشاد الأذهان ( ط . ج ) — صفحة 116
مساهمون: الشهيد الثاني
ص١١٦
هامش
( 1 ) الكافي 3 : 35 / 7 علل الشرائع 1 : 337 / 2 ، الباب 214 التهذيب 1 : 87 / 230 ، و 98 / 225 الاستبصار 1 :
72 / 220 .
( 2 ) الكافي 3 : 34 / 4 التهذيب 1 : 99 / 259 الاستبصار 1 : 74 / 228 .
( 3 ) مختلف الشيعة 1 : 134 - 135 ، المسألة 82 .
( 4 ) نهاية الوصول ، المقصد الرابع ، الفصل الثالث ، البحث الخامس .
( 5 ) نهاية الوصول ، المقصد الرابع ، الفصل الثالث ، البحث الخامس .