باب النون
نعمان بن محمد بن منصور ، قاضي مصر .
وقد كان في بدء أمره مالكيا ، ثم انتقل إلى مذهب الإمامية ( 1 )
هامش
( 1 ) أبو حنيفة النعمان بن أبي عبد الله محمد بن منصور بن أحمد بن حيون
التميمي المغربي ، ويعرف لدى الإسماعيلية باسم ( سيدنا القاضي النعمان ) تمييزا بينه
وبين أبي حنيفة النعمان - صاحب المذهب الحنفي المشهور - . وقد اختلف المؤرخون
في تاريخ مولده ، ( فقال بعضهم ) : إنه ولد سنة 259 ه ، ( وقال بعضهم ) :
إنه ولد في العشر الأخير من القرن الثالث .
ويطلق عليه ابن خلكان في ( وفيات الأعيان ) ومؤلفو الشيعة الاثني عشرية
( أبا حنيفة الشيعي ) . كما أن ابن خلكان يرى : أنه كان مالكي المذهب ، ثم اعتنق
مذهب الإمامية . وكذلك مؤرخو الشيعة الاثني عشرية وأرباب التراجم منهم ،
ويرى البعض : إنه كان مالكي المذهب ، ثم تحول إلى الشيعة الاثني عشرية ، ثم انتقل
إلى الإسماعيلية الفاطمية ، ويرى ابن تغري بردي في ( النجوم الزاهرة ج 4 -
ص 222 ) انه كان حنفي المذهب قبل أن يعتنق المذهب الفاطمي .
وكيف كان ، فقد نقل ابن خلكان عن المؤرخ ابن زولاق في كتابه : أخبار
قضاة مصر - في ترجمة أبي الحسن علي بن النعمان المذكور - ما نصه : " . . . وكان
أبوه النعمان بن محمد القاضي في غاية الفضل من أهل القرآن والعلم بمعانيه وعالما
بوجوه الفقه وعلم اختلاف الفقهاء واللغة والشعر الفحل والمعرفة بأيام الناس مع
عقل وإنصاف ، وألف لأهل البيت من الكتب آلاف أوراق بأحسن تأليف ،
وأملح سجع ، وعمل في المناقب والمثالب كتابا حسنا ، وله ردود على المخالفين له :
له رد على أبي حنيفة ، وعلى مالك ، والشافعي ، وعلى ابن سريج ، وكتاب اختلاف
الفقهاء ، وينتصر فيه لأهل البيت - رضي الله عنهم - وله القصيدة الفقهية لقبها
بالمنتخبة . . . " .
دخل النعمان في خدمة الامام الإسماعيلي ( عبد الله المهدي ) واتصل بالقائم
بأمر الله طوال مدة حكمه وولي قضاء مدينة طرابلس ، ولما بنى المنصور بن القائم
ابن المهدي مدينته ( المنصورية ) كان النعمان أول من ولي قضاءها ، وقد ولاه
المنصور القضاء على سائر مدن أفريقيا وأصبح شديد الصلة بالامام الإسماعيلي ومقربا
منه ، وظل قاضي قضاة هذه المدن ، وتحت إمرته قضاتها إلى أن ولي ( المعز ) الإمامة
فاشتدت صلة النعمان به ، وكان يجالسه ويسايره وقل أن يفارقه ، وضع النعمان
كتابه ( المجالس والمسايرات ) جمع فيه كل ما رآه وما سمعه من إمامه المعز ، وفى
مؤلفات النعمان كثير من الدلائل تبين أنه كان يعرض كتبه على الامام المعز قبل
إذاعتها ونشرها بين الناس .
ويعتبر القاضي النعمان المشرع الإسماعيلي ، لما له من أثر كبير في الحياة العقلية
للدولة الإسماعيلية في مصر ، وتعتبر مؤلفاته من الدعائم القوية التي ركز عليها المذهب
الإسماعيلي ، ولا تزال كتبه حتى يومنا - هذا - من أقوم الكتب لدى الإسماعيلية
لا سيما كتابه ( مختصر الآثار فيما روي عن الأئمة الأطهار ) وهو كتاب متداول
- الآن - بين طائفة ( البهرة ) .
وأصبحت الكتب التي ألفها عمدة كل باحث في المذهب الإسماعيلي والأصل
الذي يستقي منه علماء المذهب ، وقد أفاد الدعوة الإسماعيلية بكثرة مؤلفاته في الفقه
والمناظرة ، والتأويل ، والعقائد ، والسير ، والتاريخ ، والوعظ . ومن الثابت أن النعمان
ألف بضعة وخمسين كتابا ، بقي منها حتى اليوم نحو من عشرين كتابا ، وضاع الباقي
وقيل : إن الامام المعز قال عنه : " من يؤدي جزء من مائة مما أداه النعمان
أضمن له الجنة بحوار ربه " .
( أنظر : كتاب عيون الأخبار للداعي إدريس عماد الدين : ج 6 ص 41
طبع مصر ) .
وقد ذكر الأستاذ إسماعيل غالب الإسماعيلي ترجمة مفصلة للنعمان في كتابه
( أعلام الإسماعيلية ) ص 589 طبع بيروت سنة 1964 م وأورد قائمة بمؤلفاته
المتنوعة نقلا عن كتاب ( المرشد إلى أدب الإسماعيلية ) تأليف البرفسور إيفانوف
( ص 37 - ص 40 ) .
وبعض هذه الكتب في خزائن أصحاب الدعوة الذين يحرصون عليها ويسترونها
أشد الستر .
ويقول الدكتور محمد كامل حسين في مقدمة ( كتاب الهمة في آداب أتباع
الأئمة ) الذي هو من مؤلفات القاضي النعمان : ( ص 9 - طبع دار الفكر العربي بمصر )
ما هذا نصه :
" . . . وكل من تحدث عن النعمان من المؤرخين يذكرون فضله وعلمه
وتدلنا مؤلفاته العديدة على ما ذكره المؤرخون عنه ، فلا غرابة أن رأينا كتبه عمدة
كل باحث في المذهب الفاطمي وأنها الأصل الذي استقى منه علماء المذهب بعده .
فلا أكاد أعرف عالما من علماء الدعوة اختلف مع النعمان في المسائل الفقهية . وربما
كان ذلك لان النعمان قال في كتابه ( المجالس والمسايرات ) أكثر من مرة : إن
الامام المعز لدين الله طلب إليه أن يلقي على الناس شيئا من علم أهل البيت . فألف
النعمان كتبه ، وكان يعرضها على المعز فصلا فصلا ، وبابا بابا ، حتى أتمها . فهو
يقول - مثلا - : ( أمدني المعز لدين الله بجمع شئ لخصه لي وجمعه ، وفتح لي
معانيه ، وبسط لي جملته ، فابتدأت منه شيئا ثم رفعته إليه ، واعتذرت من الابطاء
فيه لما أردته من إحكامه ، ورجوته من وقوع ما جمعته منه بموافقته فطالعته بمقداره
فوقع إلي : يا نعمان لا تبال كيف كان القدر مع إشباع في إيجاز ، فكلما أوجزت في
القول واستقصيت المعنى فهو أوفق وأحسن ، والذي خشيت من أن يستبطأ في
تأليفه ، فوالله لولا توفيق الله - عز وجل - إياك وعونه لك لما تعتقده من النية
ومحض الولاية لما كنت تستطيع أن تأتي على باب منه في أيام كثيرة ، ولكن النية
يصحبها التوفيق ) .
إلى أمثال ذلك من النصوص الكثيرة التي تدل على أن المعز لدين الله كان
يدفعه إلى تأليف الكتب بعد أن يوضح له فكرتها ، وأن النعمان كان يعرض كتبه
على المعز قبل أن ينشرها على الناس ، كما طلب إليه المعز أن يقرأ مجالس الحكمة التأويلية
ولعل هذا هو السبب الذي من أجله لقبه المؤرخ ابن زولاق بالداعي - كما روى
عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان - وليس لدينا من النصوص ما يثبت أن النعمان
كان من الدعاة ، فالداعي إدريس في كتابه ( عيون الأخبار ج 6 ص 41 ) قال :
إن النعمان كان في مكانة رفيعة جدا قريبة من الأئمة ، وأنه كان دعامة من دعائم
الدعوة ، ولكنه لم يصرح بان النعمان كان داعيا أو حجة ، مع ما نعرفه من الداعي
إدريس من إغداق المدح على كل من اتصل بالدعوة ، ومهما يكن من شئ فالنعمان
كان داهية في سياسته التي قربته إلى الأئمة ، فقد استطاع بعلمه أن يجذب إليه
قلوبهم فقربوه إليهم ، وعرف أسرارهم ونواياهم ، فوضع هذه الكتب العديدة
وادعى ان الأئمة هم الذين لقنوه إياها ، بل لعلي لا أغالي إذا قلت : إن النعمان هو
أول من دون فقه المذهب الفاطمي ، فلا أكاد أعرف فقيها من فقهاء المذهب قبله
كتب في هذا الفن " .
والخلاصة : لقد أدى القاضي النعمان للدعوة الإسماعيلية خدمات علمية جليلة
كان لها الفضل الأكبر في تركيز دعائم الدعوة ، ولا غرو فقد كان اللسان الناطق
لأئمتهم فاستحق أن يتربع على عرش الدعوة العلمية وأن يورث أبناءه هذه الزعامة
وكانت وفاته بمصر في مستهل رجب سنة 363 ه ، وصلى عليه المعز لدين الله .
وذكر العلامة المحدث النوري في خاتمة مستدرك الوسائل ( ج 3 ص 313 )
ترجمة للقاضي نعمان أسهب فيها وحقق في شرح حال ( دعائم الاسلام ) والتعريف
به تحقيقا رشيقا ، وذكر وجوها كثيرة فيما صرح به أعلام الامامية من أن النعمان
أظهر الحق تحت ستار التقية ، فراجعه .
وذكر الدكتور كامل حسين في مقدمته لكتاب ( الهمة في آداب اتباع الأئمة )
أسماء جملة من مؤلفات القاضي النعمان ، كما ترجم لكثير من أولاده وأحفاده ، فراجعه
وقد ترجم للقاضي النعمان في كثير من المعاجم الرجالية ، وذكرت أخباره
في أكثر كتب التاريخ ، راجع : سير النبلاء للذهبي ، والوافي بالوفيات للصفدي
وفوات الوفيات لابن شاكر الكتبي ، ووفيات الأعيان لابن خلكان ، ولسان الميزان
لابن حجر العسقلاني ، ومرآة الجنان لليافعي ، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي
وكشف الظنون لحاجي خليفة ، والنجوم الزاهرة لابن تغرى بردي ، وإيضاح
المكنون للبغدادي ، والفوائد الرضوية للشيخ عباس القمي ، والذريعة لشيخنا الشيخ
آغا بزرك الطهراني ج 8 - 197 ، وأمل الآمل للشيخ الحر العاملي ، ومجالس المؤمنين
للقاضي نور الله التستري ، وروضات الجنات للخوانساري وغيرها من المعاجم الرجالية .
والإسماعيلية يوافقون الامامية في الإمام الصادق - عليه السلام - ومن قبله
من الأئمة - عليهم السلام - ويخالفونهم في الكاظم - عليه السلام - ومن بعده من
الأئمة - عليهم السلام - ويقولون بامامة إسماعيل بن جعفر الصادق - عليه السلام -
وإليه ينسبون ، ويرون أن في كل دور سبعة أئمة ، إما ظاهر وإما مستور ، لقول
أمير المؤمنين - عليه السلام - : " لن تخلو الأرض عن قائم لله بحججه " ، ويلقبون أيضا
بالباطنية لقولهم : إن لكل ظاهر باطنا " الخ .
وكان الإمام الصادق - عليه السلام - يحب ولده إسماعيل حبا شديدا بحيث
شبه على خلق كثير من ( الإسماعيلية ) حتى أن قالوا بإمامته وأنه حي عند الله مرزوق
وكان أكبر إخوته ، ومات في حياة أبيه فحزن عليه حزنا كثيرا ، وكتب بخطه
على كفنه ( إسماعيل يشهد أن لا إله إلا الله ) الخ .
أنظر : تفصيل أحوال الإسماعيلية وعقائدهم في كتاب ( أعلام الإسماعيلية )
لمصطفى غالب ، طبع بيروت سنة 1364 ه .