( أما نعم الله تعالى على الخلق بدوام بقاء سيدنا الشريف السيد الاجل
المرتضى علم الهدى - أطال الله بقاه وأدام علوه وسموه وبسطته ، وكبت
أعداءه وحسدته ، فالألسن تقصر عن أداء شكرها ، والمتن يضعف عن
تعاطي نشرها ، فلا أزال الله عنا وعن الاسلام ظله ، وحرس أيامه
من الغير . وبعد ، فمن كان له سبيل إلى إلقاء ما يعرض له ويعتلج
في صدره من الشبهة إلى الخاطر الشريف ، واستمداد الهدى من جهته ،
فلا معنى لإقامته على ظلمتها ، والغاية اقتباس نور الله سبحانه ليقف على
الطريق النهج والسبيل الواضح والصراط المستقيم ، والخادم - وإن كان
متمكنا من إيراد ذلك في المجلس الأشرف وأخذ الجواب عنه على ما جرت
به عادته - فإنه سائل الإنعام بالوقوف على هذه المسائل ، وإيضاح ما أشكل
منها ، ليعم النفع بها ، فيحصل بذلك المبتغى بمجموعه من الوقوف على
الحق ، وعموم النفع للمؤمنين كافة ، والتنويه باسم الخادم ، ولرأى سيدنا
الشريف السيد المرتضى علم الهدى - أدام الله قدرته في ذلك وعلوه إن
شاء الله ) ثم أخذ في ذكر المسائل .
سلمان المحمدي ابن الاسلام ، أبو عبد الله ، أول الأركان
الأربعة ( 1 ) مولى رسول الله ( ص ) وحواريه الذي قال فيه : ( سلمان منا
أهل البيت ) .
هامش
ان شخصية سلمان الفارسي وعلو شأنه وجلالة قدره وعظم منزلته وسمو
رتبته ووفور علمه وتقواه وزهده ، أشهر من أن يحتاج إلى إطراء ، فقد مدحه
بغاية الصفات الجليلة الموافق والمخالف من المؤرخين وأرباب المعاجم الرجالية ،
ولو لم يرد في حقه سوى قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فيه : ( سلمان منا
أهل البيت ) لكفى ذلك في علو شأنه وسمو مقامه . ولم ترد هذه الكلمة من النبي ( ص )
في حق غيره من صحابته الأخيار .
وسلمان أحد الاثني عشر الذين أنكروا على أبي بكر توليه للخلافة بعد
النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فقد قال له : ( يا أبا بكر إلى من تسند أمرك
إذا الموت نزل بك ؟ وإلى من تفزع إذا سئلت عن أحكام الأمة عما لا تعلم ؟
أتكون إماما لمن هو أعلم منك ؟ قدم من قدمه رسول الله ( ص ) في حياته ،
وأوعز إليه فيك وقت وفاته . أنسيت قوله وما تقدم من وصيته ؟ إنه لا ينفعك إلا
عملك ، ولا تحصل إلا على ما تقدم ، فان رجعت نجوت ، فقد سمعت ما سمعنا
وأنكرت وأقررنا ، فترد ونرد ، وما الله بظلام للعبيد ) راجع في ذلك ( ج 2
ص 331 - 333 ) من هذا الكتاب .
كان اسم سلمان قبل الاسلام : روز به ابن خشنودان ، أو ما هويه ، أو بهبود
ابن بدخشان من ولد منوچهر الملك ، أو ناجية بن بدخشان ، أو سمنكان ، أو غير
ذلك ، على اختلاف أقوال المؤرخين وأرباب المعاجم ، وقد سماه رسول الله - صلى
الله عليه وآله - ( سلمان ) وكان يلقب : سلمان الخير ، وسلمان المحمدي ، وكان إذا
سئل من أنت ؟ يقول : أنا سلمان ابن الاسلام أنا من بني آدم .
وكان أصله من شيراز ، أو رامهرمز ، أو الأهواز ، أو شوشتر ، أو إصفهان
من قرية يقال لها : جئ - على اختلاف الأقوال .
وسلمان أحد الأركان الأربعة ، وهو أولهم ، ثم أبو ذر الغفاري ، ثم عمار
ابن ياسر ، ثم المقداد بن الأسود الكندي ، على ما جاء في أقوال المؤرخين وأرباب
المعاجم الرجالية ، ومنهم من يعد حذيفة بن اليمان العبسي من الأركان الأربعة كما
يقول الشيخ الطوسي - رحمه الله - في كتاب رجاله - عند ترجمة حذيفة قائلا :
( وقد عد من الأركان الأربعة ) فكأنه - رحمه الله - لم يجزم فيه بذلك وقال :
( وقد عد منهم ) وكون حذيفة منهم محل خلاف ، وإلا كانوا خمسة لا أربعة
وقد روى الكشي في رجاله ( ص 12 ) طبع النجف الأشرف : روايات
كثيرة عن الأئمة - عليهم السلام - في مدحه فراجعها
وترجم له - من أعلام السنة - ابن حجر العسقلاني في ( تهذيب التهذيب :
ج 4 ص 137 ) طبع حيدر آباد دكن قال : ( سلمان الخير أبو عبد الله ابن الاسلام
أصله من إصفهان ، وقيل : من رامهرمز ، أسلم عند قدوم النبي - صلى الله عليه
وآله وسلم - المدينة ، وأول مشاهده الخندق ، قاله ابن سعد . روى عن النبي - صلى
الله عليه وآله وسلم - وروى عنه أنس ، وابن عجرة ، وابن عباس ، وأبو سعيد
الخدري ، وأبو الطفيل ، وأم الدرداء الصغرى ، وأبو عثمان النهدي ، وزاذان أبو عمر ،
وسعيد بن وهب الهمداني ، وطارق بن شهاب ، وعبد الله بن وديعة ،
وعبد الرحمن بن يزيد النخعي ، وشهر بن حوشب - وفي سماعه منه نظر - وجماعة . . .
وكان أدرك وصي عيسى بن مريم - عليه الصلاة والسلام - فيما قيل ، وعاش
مائتين وخمسين سنة ، أو أكثر ، ورويت قصة إسلامه من وجوه كثيرة ، وقال
أبو ربيعة عن ابن بريدة عن أبيه رفعه : ( إن الله يحب من أصحابي أربعة ) فذكره
فيهم ، وقال سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال : آخى بين سلمان وأبي الدرداء ،
قال الواحدي وغير واحد : مات بالمدائن في خلافة عثمان ، وقال أبو عبيد وغيره
مات سنة ( 36 ) ه وقال خليفة في موضع آخر : مات سنة 37 ه ، وقيل : مات
سنة 33 ه ، وهو أشبه لما روى عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن
أنس قال : دخل ابن مسعود على سلمان عند الموت ، وقد مات ابن مسعود قبل
سنة 34 ه باتفاق ، وقال أبو الشيخ : سمعت جعفر بن أحمد بن فارس يقول :
سمعت العباس بن يزيد يقول لمحمد بن النعمان : أهل العلم يقولون : عاش سلمان
ثلاثمائة وخمسين سنة ، فأما مائتين وخمسين فلا يشكون فيه . قلت : وقال ابن حبان
هو سلمان الخير ، ومن زعم أنهما اثنان فقد وهم ، ذكر العسكري : أن اسم
المرأة التي اشترته ( جلسة ) وقال ابن عبد البر : يقال : إنه شهد بدرا ، وروى
البخاري في صحيحه عن سلمان أنه قال : أنا من رامهرمز . وفيه أيضا عن سلمان :
أنه تداوله بضعة عشر من رب إلى رب ، وأخرج ابن حبان والحاكم في صحيحيهما
قصة إسلام سلمان من رواية حاتم بن أبي صغيرة عن سماك بن حرب عن زيد بن
صوحان ، عنه ، وروى من طرق أخرى من حديث بريدة بن الحصيب ، وغيره )
وذكر مثل ذلك في ( الإصابة : ج 2 ص 62 ) طبع مصر سنة 1328 ه ،
وزاد : ( وكان سلمان إذا خرج عطاؤه تصدق به وينسج الخوص ويأكل من كسب
يده ) .
وترجم له ابن عبد البر في ( الاستيعاب : ج 2 ص 56 ) بهامش الإصابة ،
وذكر بعض ما ذكره ابن حجر ، وزاد قوله : ( وقد روي من وجوه : أن رسول
الله ( ص ) اشتراه على العتق . وذكر معمر عن رجل من أصحابه ، قال : دخل
قوم سلمان - وهو أمير على المدائن وهو يعمل الخوص - فقيل له : تعمل هذا -
وأنت أمير ، يجرى عليك رزق - ؟ فقال : إني أحب أن آكل من عمل يدي ،
وذكر أنه تعلم عمل الخوص بالمدينة من الأنصار عند بعض مواليه . أول مشاهده
الخندق وهو الذي أشار بحفره . . . ولم يفته بعد ذلك مشهد مع رسول الله - صلى
الله عليه وآله وسلم - . . . ذكر هشام بن حسان عن الحسن قال : كان عطاء سلمان
خمسة آلاف ، وكان إذا خرج عطاؤه تصدق به ويأكل من عمل يده ، وكانت له
عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها ، وذكر ابن وهب وابن نافع عن مالك ، قال
كان سلمان يعمل الخوص بيده فيعيش منه ولا يقبل من أحد شيئا ( قال ) :
ولم يكن له بيت وإنما كان يستظل بالجدر والشجر . . . وروي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) من
وجوه ، أنه قال : لو كان الدين عند الثريا لناله سلمان . . . وروي من حديث ابن
بريدة عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال : أمرني ربي بحب
أربعة وأخبرني أنه - سبحانه - يحبهم : علي وأبو ذر ، والمقداد ، وسلمان - رضي
الله تعالى عنهم - . . . عن علي رضي الله عنه : أنه سئل عن سلمان ، فقال : علم العلم
الأول والآخر ، بحر لا ينزف ، وهو منا أهل البيت . . . وعن علي قال : سلمان
الفارسي مثل لقمان الحكيم ) .
وترجم له أيضا ابن الأثير الجزري في ( أسد الغابة : ج 2 ص 331 ) وذكر
مثل ما ذكره ابن حجر في ( الإصابة ) وابن عبد البر في ( الاستيعاب ) وزاد قوله :
( قال أهل العلم : عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة ، فأما مائتان وخمسون فلا يشكون
فيه ، قال أبو نعيم : كان سلمان من المعمرين ، يقال : إنه أدرك عيسى بن مريم
وقرأ الكتابين ، وكان له ثلاث بنات بنت : بأصبهان ، وزعم جماعة أنهم من ولدها
، وابنتان بمصر ، أخرجه الثلاثة ) .
وترجم لسلمان ترجمة مفصلة السيد علي خان في ( الدرجات الرفيعة : ص 198
- 220 ) طبع النجف الأشرف سنة 1381 ه .
وترجم له الشيخ الطوسي في ( رجاله ) وعده من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )
ومن أصحاب الإمام علي - عليه السلام - وذكره أيضا في ( الفهرست ) وترجم له في
جميع المعاجم الرجالية الشيعية .
وتوفي سلمان بالمدائن وكان واليا فيها من قبل ( عمر ) وحضر غسله ودفنه
الإمام علي - عليه السلام - على ما نطقت به الأخبار الصحيحة .
وقد كتبت رسائل وكتب في حياة سلمان ، منها مطبوع ، ومنها مخطوط ،
وأبسط كتاب في ذلك ( نفس الرحمن في فضائل سلمان ) للمحدث النوري طبع بطهران
سنة 1285 ه يقع في ( 167 ) صفحة ، فرغ من تأليفه ليلة القدر الثالث والعشرين
من شهر رمضان سنة 1283 ه ، وقد قرضه جماعة من أدباء عصره ، بأبيات شعرية ،
طبعت في آخره ، يتضمن الكتاب سبعة عشر فصلا ، فراجعه فإنه كتاب ثمين .
وقد ألف عبد الرحمن بدوي كتابا سماه ( شخصيات قلقة في الاسلام ) طبع
بالقاهرة سنة 1946 م ذكر فيه سلمان الفارسي من تلك الشخصيات القلقة ، وطعن
في جملة كثيرة مما ذكرنا في حياته ، وقد أوحى له خياله فألف هذا الكتاب ، وأرعد
وأبرق ، وجاء بما لا يوافقه عليه أحد من الاعلام المنصفين .
ولسلمان - اليوم - قبر مشيد غاية في العظمة يزوره الزائرون ويقصده السائحون
من الأقطار الاسلامية وغيرها ، وحوله دور مشيدة ، وتعد البلدة - اليوم - ناحية
من مهمات نواحي بغداد .