الشهير بابن الأثير صاحب كتاب ( النهاية في غريب الحديث ) - كان
بالجزيرة فنسب إليها ثم انتقل إلى الموصل فمات بها عام ست وستمائة -
في كتاب ( جامع الأصول الستة ) - في المجددين على رأس المائة الرابعة
من الهجرة ، فإنه أورد ما رواه أبو داود الترمذي ( 1 ) : ( أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )
قال : إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها
دينها ) ، ثم قال : ( قد تكلم العلماء في تأويل هذا الحديث ، وأشاروا
إلى القائم الذي يجدد الناس دينهم على رأس كل مائة سنة . وكان كل قائل
قد مال إلى مذهبه ، وحمل تأويل الحديث إليه . والأولى أن يحمل على
العموم ، فان لفظة ( من ) تقع على الواحد والجماعة ، ولا يلزم منه أيضا
هامش
( 1 ) كذا في الأصل والصحيح ( السجستاني ) بدل ( الترمذي ) لان الترمذي كنيته
أبو عيسى والحديث لا وجود له في سنن الترمذي ، وإنما رواه أبو داود سليمان بن الأشعث
الأزدي السجستاني المولود سنة 202 ه والمتوفى بالبصرة المدفون بها يوم الجمعة
منتصف شوال سنة 275 ه ، وقد رواه في سننه في كتاب الملاحم ( ج 2 ص 424 )
طبع مصر سنة 1371 ه ، فقال : ( حدثنا سليمان بن داود المهري أخبرنا ابن وهب
أخبرني سعيد بن أبي أيوب ، عن شراحيل بن يزيد المعافري ، عن أبي علقمة ،
عن أبي هريرة - فيما أعلم - عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : ( إن الله يبعث لهذه الأمة
على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) قال أبو داود - يعني نفسه - رواه
عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني ، لم يجز به شراحيل ) .
وروى هذا الحديث أيضا السيوطي في ( الجامع الصغير ) في حرف الهمزة ،
عن أبي داود والحاكم النيسابوري ، والبيهقي في ( المعرفة ) عن أبي هريرة ، وصححه
السيوطي ، أما الحاكم النيسابوري إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن عبد الله المتوفى
في صفر سنة 405 ه ، فقد رواه في ( المستدرك على الصحيحين : ج 4 ص 522 )
طبع حيدر آباد دكن سنة 1342 ه : ( عن أبي العباس محمد بن يعقوب ، عن
الربيع بن سليمان بن كامل المرادي ، عن عبد الله بن وهب ، عن سعيد بن أبي
أيوب عن شرحبيل بن يزيد ، عن أبي علقمة عن أبي هريرة ، ولا أعلمه إلا عن
رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال . . . ) ثم ذكر الحديث ، وذكره أيضا الذهبي في ( تلخيص
المستدرك ) بهامشه في الصفحة المذكورة .
قال العلامة عبد الرؤف المناوي في ( فيض القدير ) شرح الجامع الصغير
للسيوطي ( ج 2 ص 281 ) طبع مصر سنة 1356 ه - عند شرحه للحديث المذكور - :
( ( إن الله يبعث لهذه الأمة ) أي يقيض لها ( على رأس كل مائة سنة ) من الهجرة
أو غيرها ، والمراد بالرأس تقريبا ( من ) أي رجلا أو أكثر ( يجدد لها دينها )
أي يبين السنة من البدعة ، ويكثر العلم ، وينصر أهله ، ويكسر أهل البدعة ويذلهم
قالوا : ولا يكون إلا عالما بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة ، قال ابن كثير : قد
ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث ، والظاهر أنه يعم جملة من العلماء
من كل طائفة وكل صنف من مفسر ومحدث وفقيه ونحوي ولغوي وغيرهم ) ثم
قال المناوي : ( وفي حديث لأبي داود : المجدد منا أهل البيت ) أي لان آل محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم )
كل تقي ) - ثم قال - : ( ذكر الحديث أبو داود في الملاحم ، والحاكم في الفتن
وصححه ، والبيهقي في كتاب ( المعرفة ) له كلهم عن أبي هريرة ، قال الزين العراقي
وغيره : سنده صحيح ، ومن ثم رمز المؤلف لصحته ) .
وذكر مثله العزيزي في ( السراج المنير ) شرح الجامع الصغير ( ج 1 ص
411 ) طبع مصر سنة 1304 ه ، وزاد قوله : ( وقال العلقمي : معنى التجديد إحياء
ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والامر بمقتضاهما ، واعلم أن المجدد إنما هو
بغلبة الظن بقرائن أحواله والانتفاع بعلمه ) .
أما الشيخ الحفني في حاشيته على ( السراج المنير ) - في الصفحة المذكورة - فقد
قال : ( . . . ( قوله يبعث ) البعث : الارسال ، وليس المراد هنا بل المراد أنه يقيض شخصا بأن
يجعل له ملكة يذب بها الباطل وينصر الحق ، ولا يشترط في المجدد أن يكون من أهل البيت
عند الجمهور ، وآخر المجددين المهدي وعيسى - عليه السلام - ( قوله على رأس )
أي أول كل مائة سنة من الهجرة ، خلافا لمن قال من الولادة ، والسنة والعام
مترادفان ، وفرق بعضهم بأن العام من أول المحرم إلى مثله فقط ، والسنة من يوم
كذا إلى مثله ، سواء المحرم وغيره ، وعبارة العلقمي أي أولها من الهجرة النبوية ،
ولهذا قال شيخنا : المراد من رأس كل مائة سنة ما يؤرخ بها في مدة المائة ، وأن
يكون المبعوث على رأس المائة رجلا مشهورا معروفا مشارا إليه ، وأن تنقضي
المائة وهو مشهور حي مشار إليه ، واعلم أن المجدد إنما هو بغلبة الظن ممن عاصره
من العلماء بقرائن أحواله والانتفاع بعلمه ، ولا يكون المجدد إلا عالما بالعلوم
الدينية الظاهرة والباطنة ، ناصرا للسنة قامعا للبدعة ، وإنما كان التجديد على رأس
كل مائة سنة لانخرام علماء المائة غالبا واندراس السنن وظهور البدع ، فيحتاج
حينئذ إلى تجديد الدين . . . قال شيخنا : اتفق الحفاظ على أنه حديث صحيح ، وممن
نص على صحته من المتأخرين أبو الفضل العراقي وابن حجر ، ومن المتقدمين الحاكم
في المستدرك ، والبيهقي في المدخل ) .