فيها إلا فئة قليلة مشردة الأذهان . وكان القتلى في الطرقات كأنها التلال ، ولما
نودي بالأمان خرج من تحت الأرض من اختفوا في المطامير والمقابر ومن لجأ إلى
الآبار والحشائش كأنهم الموتى قد نبشت قبورهم ، وقد أنكر بعضهم البعض فلم
يعرف الأب ابنه ولا الأخ أخاه ، ثم انتشر الوباء فحصدهم بمنجله حصدا ذريعا
وفسد الهواء وعم الوباء ( 1 ) .
وأما ما حل بخزائن العلم من المكاتب والمدارس في بغداد فحدث ولا حرج ،
فقد كانت بغداد مركزا من أعظم مراكز الاشعاع الفكري في العالم كله في ذلك
التاريخ من دون مبالغة ، وقد أحرق التتار كلما وجدوا في بغداد من علم ومن مراكز
للعلم ، كما قتلوا كل من عثروا عليه من العلماء أو كل من كان في بغداد من
العلماء ، وليس بإمكان أحد أن يقدر ضخامة الخسارة التي لحقت بالفكر والثقافة
الاسلامية والبشرية في هذه النكبة .
يقول قطب الدين الحنفي : تراكمت الكتب التي ألقاها التتار في نهر دجلة حتى
صارت معبرا يعبر عليه الناس والدواب واسودت مياه دجلة بما القي فيها من
الكتب ( 2 )
ولنقرأ لتقي الدين ابن أبي اليسر هذه النفثة من شعره في بغداد :
لسائل الدمع عن بغداد أخبار * فما وقوفك والأحباب قد ساروا
يا زائرين إلى الزوراء لا تفدوا * فما بذاك الحمى والدار ديار
تاج الخلافة والربع الذي شرفت * به العالم قد عفاه أقفار
أضحى لعصف البلى في ربعه أثر * وللدموع على الآثار آثار
يا نار قلبي نار لحرب وغى * شبت عليه ووافى الربع أعصار
هامش
( 1 ) تاريخ الاسلام للدكتور حسن إبراهيم : 4 / 160 - 161 عن الحوادث الجامعة في أعيان المائة السابعة
ص 330 و 331
( 2 ) تاريخ التمدن الاسلامي للدكتور گوستاف لوبون ترجمة السيد هاشم الحسن ( ترجمة فارسية 1358 ) :
ص 214 .