بسم الله الرحمن الرحيم
والاعتصام بالعزيز العليم الحمد لله ربّ العالمين حمداً ينبغي لكرم وجهه ،
ويليق بعزّ جلاله زِنَةَ عرشه ، وعددَ علمه ، ومدادَ ( 1 ) كلماته ، ومِلْءَ ( 2 ) أطباق ملكوته .
هامش
1 . في حواشي النسخ : " المداد : النِقْس ، وهو الذي يكتب به ، أي قدر ما يكتب به كلماته .
والمراد بكلماته : مجعولاته ومصنوعاته ، وبكتابتها : جعله وصنعه وإفاضته تعالى إيّاها ، أو إفاضاته وإيجاداته
وتأثيراته سبحانه ، وبكتابتها : اختياره وإرادته إيّاها ، فالنظام الجملي لعوالم الوجود كتاب الله المبين . ( منه مدّ ظلّه
العالي ) " . راجع لسان العرب 3 : 398 ، ( م . د . د ) .
2 . في حواشي النسخ : " المِلْءُ - بالكسر - : اسم ما يأخذ الإناء إذا امتلأ .
وملكوته : إمّا عالم المجرّدات بإطباقه ، من العقول والنفوس ، ومنها الملائكة المقرّبون بمراتبها المتشعّبة ، وطبقاتها
المختلفة ، ومراتب إدراكاتها وتعقّلاتها وعلومها وفيوضها وتدابيرها وأفاعيلها .
وإمّا عوالم مُلكه بحذافيرها ، من السِفليّات والعِلويّات والأسطقسّيّات والسماويّات والجسمانيّات والمجرّدات
والهيولانيّات والقدسيّات ، وقداقترّ في مقرّه أنّ أعظم الجبال بالنسبة إلى جرم الأرض قريب من سُبع عرْض شعيرة
إلى كرة قطرُها ذراع ، وكرةُ الأرض - لعِظَم حجمها - إنّما هي بالنسبة إلى كرة فلك الشمس فما فوقها كنقطة مركز
الدائرة بالنسبة إلى محيطها ؛ إذ ليس لها عندها قدر محسوس ؛ ولذلك ليس للشمس اختلافُ منظر مرصود بالحسّ ،
بل محسوب بالحساب ، وأمّا لما فوقها فلا بالحسّ ولا بالحساب .
ثمّ تدوير المرّيخ أعظمُ بكثير من ممثّل الشمس بما في جوفه ؛ ولذلك يكون البُعد من مركَزي الشمس والمرّيخ حين
المقارنة والاجتماع في دقيقة واحدة بل نقطة واحدة أزيدَ وأعظمَ من البعد بينهما عند المقابلة ، مع كونهما على
طرفي نصف الدور ، ثمّ يتزايد العِظَم في الأجرام السماويّة إلى حيث يستبين - على ما قد بيّنّاه في كتابينا " الصراطِ
المستقيم " و " الأُفقِ المبين " - أنّ المتحرّك بالحركة اليوميّة بمقدار ما يقول أحد : واحدٌ ، يقطع من مقعّر الفلك
الأقصى خمسةَ آلاف ومائةً وستّة وتسعين ميلاً ، وهو ألف وسبعمائة واثنان وثلاثون فرسخاً من مقعّر الفلك
الأقصى والله سبحانه يعلم ما يتحرّك محدّ به وقتئذ .
ثمّ العقل الصريح يحكم : أنّ عالم المجرّدات - وهو عالم الأنوار - أوسعُ لا محالة من عالم الأجسام - وهو عالم
الظلمات - أوسعيّةً لا تتناهى مراتبها ، بل لا يكاد يصحّ أن يُنسب سَعَته إلى سعته ، والكلّ لا يكاد يُعقل له قدر بالنسبة
إلى سعة عالم الربوبيّة ، وفضاء صقع جنابه ، والله سبحانه واسع عليم . ( منه مدّ ظلّه العالي ) " .