فيقول أعشى قيس : ما هذه ممّا صدر عنَّي وإنَّك منذ اليوم لمولعٌ بالمنحولات .
ويمرُّ رفٌ من إوزّ الجنَّة فلا يلبث أن ينزل على تلك الرَّوضة ويقف وقوف منتظر لأمرٍ ومن شأن طير الجنَّة أن يتكلَّم فيقول : ما شأنكنَّ فيقلن : ألهمنا أن نسقط في هذه الرَّوضة فنغنّي لمن فيها من شربٍ . فيقول : على بركة الله القدير . فينتفضن فيصرن جواري كواعب يرفلن في وشي الجنَّة وبأيديهنّ المزاهر وأنواع ما يلتمس به الملاهي . فيعجب وحقَّ له العجب وليس ذلك ببديعٍ من قدوة الله جلَّت عظمته وعزَّت كلمته وسبغت على العالم نعمته ووسعت كلَّ شيءٍ رحمته ووقعت بالكافر نقمته . فيقول لإحداهنَّ على سبيل الامتحان : اعملي قول أبي أمامة وهو هذا القاعد :
أمن آل ميَّة رائحٌ أو مغتد * عجلان ذا زادٍ وغير مزوَّد
ثقيلاً أوَّل . فتصنعه فتجيء به مطرباً وفي أعضاء السامع متسربّاً . ولو نحت صنمٌ من أحجار أو دفٌّ أشر عند النَّجَّار ثمّ سمع ذلك الصوت لرقص وإن كان متعالياً هبط ولم يراع أن يوقص . فيرد عليه أورد الله قلبه المحابّ زولٌ تعجز عنه الحيل والحول فيقول : هلمَّ خفيف الثَّقيل الأوَّل ! فتنبعث فيه بنغمٍ لو سمعه الغريض
رسالة الغفران — صفحة 67
مساهمون: أبي العلاء المعري
ص٦٧