اعلم أن الإعسار أمر وجودي ينشأ دائما من عدم المال ، لأنه عبارة عن نحو ضيق في المعيشة وسوء حال في المعاش ، نظير الفقر والفاقة ، فان الفقر عبارة عن الاحتياج الذي هو أمر وجودي ، ومنشؤه عدم المكنة والثروة وفقدان المال .
ودعوى أن مفهوم العسر عين ذلك المفهوم العدمي - أعني عدم المال - شطط من الكلام يعرف وجهة من ملاحظة افتراقهما كثيرا ، فإن الإنسان قد يكون في سعة من أمر معاشه مع فقدانه المال رأسا ، كواجبي النفقة مثل الولد والزوجة بل العبد أيضا إذا كان متنعما بأنواع النعم ، فإن هؤلاء كثيرا ما لا يكونون في العسر والضيق ، سواء كان لهم مال يبذل فيما عليهم من الحقوق كالدين والجناية أم لا .
ودعوى أن هؤلاء إذا لم يستطيعوا أداء ما عليهم من الحقوق فيكونون أولي الإعسار بالنسبة إلى أداء الحق وان لم يكونوا كذلك بالنسبة إلى مئونة المعاش .
مدفوعة بأن مجرد ثبوت الحق في الذمة مع قطع النظر عن مطالبة صاحب الحق ووجوب أدائه شرعا ليس مما يصدق به الإعسار العرفي ، وكلامنا في تشخيص المعسر الذي يبحث عن جواز مطالبته وعدمه . وهذا الإعسار لا يعقل أن يكون تحققه بعد المطالبة ووجوب الأداء ، لأن الشيء إذا كان مقدما على شيء آخر في المرتبة امتنع أن يكون ذلك الشيء المقدم من أحكام ذلك الشيء المؤخر . وهنا لما فرضنا أن للمطالبة مدخلية في تحقق الإعسار كانت مقدمة عليه طبعا ، فيمتنع أن تكون من أحكامه وجودا وعدما .
والحاصل ان غرضنا تشخيص الإعسار الذي نتكلم في جواز المطالبة وعدمها معه وبيان مورد افتراقه عن ذلك المفهوم العدمي - أعني عدم المال - لا بيان مطلق الإعسار حتى ما يمتنع أن تكون المطالبة وجودا وعدما من أحكامه
كتاب القضاء — صفحة 175
مساهمون: ميرزا حبيب الله الرشتي
ص١٧٥