أنجزه الشيخ في الفكر الفقهي ، كان له بذوره التي وضعها قبله أُستاذاه السيّد المرتضى والشيخ المفيد وقبلهما ابن أبي عقيل وابن الجنيد كما أشرنا سابقاً . وكان لتلك البذور أهمّيتها من الناحية العلميّة ، حتّى نُقل ( 1 ) عن أبي جعفر بن معد الموسوي - وهو متأخّر عن الشيخ الطوسي - أنّه وقف على كتاب ابن الجنيد الفقهي واسمه التهذيب فذكر أنّه لم يرَ لأحد من الطائفة كتاباً أجود منه ولا أبلغ ولا أحسن عبارة ، ولا أرقّ معنىً منه ، وقد استوفى فيه الفروع والأصول ، وذكر الخلاف في المسائل ، واستدلّ بطريق الإماميّة وطريق مخالفيهم . فهذه الشهادة تدلّ على قيمة البذور التي نمت حتّى أتت أُكُلها على يد الطوسي . وقد جاء كتاب العدّة - الذي يمثّل الفكر الأصولي في أعقاب تلك البذور - تلبيةً لحاجات التوسّع في البحث الفقهي » ( 2 ) .
المائز بين العصر الثاني والثالث
من أهمّ الخصائص التي امتاز بها العصر الثالث من عصور هذا العلم ، هو تميّز فكرة الأصل العملي عن فكرة الأمارة . ولكي نقف على الآثار المترتّبة على هذه الحقيقة ينبغي بيان مقدّمة حاصلها :
إنّ عمليّة استنباط الحكم الشرعي في فقه مدرسة أهل البيت عليهم السلام تقوم على أساس مرحلتين ; ففي المرحلة الأولى يفتّش الفقيه عن الدليل على الحكم ، فإن وجده أخذ به ، وإن لم يجد ذلك فلا يفكّر في التعويض عن الأدلّة المعتبرة شرعاً ، بأدلّة قائمة على
هامش
( 1 ) نقله عنه العلاّمة في إيضاح الاشتباه ، ترجمة ابن الجنيد : ص 291 .
( 2 ) المعالم الجديدة للأصول ، مصدر سابق : ص 80 .