فما قال القرآن ( اجتنبوه ) الا وانطلق المسلمون إلى زقاق خمورهم يشقونها
بالمدي والسكاكين يريقون ما فيها ، يفتشون في بيوتهم لعلهم يجدون بقية من خمر
فاتهم ان يريقوها ، وتحولت الأمة القرآنية في لحظة إلى أمة تحارب الخمر وتترفع
عن استعماله ، كل ذلك حدث لان الأمة كانت مالكة لارادتها ، ( حرة ) في مقابل
شهواتها ، قادرة على الصمود امام دوافعها الحيوانية ، وأن تقول بكل صرامة وجد
حين يدعو الموقف إلى ذلك ، وبكلمة مختصرة كانت تتمتع " بحرية ( حقيقية ) تسمح
لها بالتحكم في سلوكها " .
وفي مقابل تلك التجربة الناجحة التي مارسها القرآن الكريم لتحريم الخمر نجد
أن أرقي شعوب العالم الغربي مدنية وثقافة في هذا العصر فشل في تجربة مماثلة ، فقد
حاولت الولايات المتحدة الأميركية في القرن العشرين أن تخلص شعبها من
مضار الخمر فشرعت في سنة ( 1920 ) قانونا لتحريم الخمر ، ومهدت لهذا القانون
بدعاية واسعة عن طريق السينما والتمثيل والإذاعة ونشر الكتب والرسائل ، وكلها
تبين مضار الخمر مدعومة بالاحصائيات الدقيقة والدراسات الطبية .
وقد قدر ما أنفق على هذه الدعاية ( 65 ) مليونا من الدولارات ، وسودت
تسعة آلاف مليون صفحة في بيان مضار الخمر والزجر عنها ، ودلت
الاحصائيات للمدة الواقعة بين تأريخ تشريعه وبين تشرين الأول ( 1933 ) أنه
قتل في سبيل تنفيذ هذا القانون مائتا نسمة ، وحبس نصف مليون نسمة ، وغرم
المخالفون له غرامات تبلغ مليونا ونصف المليون من الدولارات ، وصودرت
أموال بسبب مخالفته تقدر بأربعمائة مليون دولار ، وأخيرا اضطرت الحكومة
الأميركية إلى الغاء قانون التحريم في أواخر سنة ( 1933 ) ، وفشلت التجربة .
والسبب في ذلك أن الحضارات الغربية بالرغم من مناداتها بالحرية لم تستطع
بل لم تحاول ان تمنح الانسان الغربي ( الحرية الحقيقية ) التي حققها القرآن الكريم
علوم القرآن — صفحة 71
مساهمون: السيد محمد باقر الحكيم
ص٧١