من الصحابة عندي ليس بحجة ، فاشتغل بإثبات كونه حجة بخبر الواحد ، فيقول
خصمه : خبر الواحد عندي ليس بحجة ، فيحتج بكتاب على أن خبر الواحد
حجة ، فإنه يكون طريقا مستقيما ، ويكون هذا كله سعيا في إثبات ما رام
إثباته في الابتداء .
وأما الثاني فلان الانتقال من حكم إلى حكم إنما يكون عند موافقة الخصم
في الحكم الأول ، وما كان مقصود المعلل إلا طلب الموافقة في ذلك الحكم ،
فإذا وافقه خصمه فيه فقد تم مقصوده ، ثم الانتقال بعده إلى حكم آخر ليثبته
بالعلة الأولى يدل على قوة تلك العلة في إجرائها في المعلولات وعلى حذاقة المعلل
في إثبات الحكم بالعلة ، وذلك نحو ما إذا عللنا في تحرير المكاتب عن كفارة
اليمين ، لان الكتابة عقد معاوضة يحتمل الفسخ فلا تخرج الرقبة من أن تكون محلا
للصرف إلى الكفارة كالبيع ، فإذا قال الخصم : عندي عقد الكتابة لا يخرج الرقبة
من الصلاحية لذلك ، ولكن نقصان الرق هو الذي يخرج الرقبة من ذلك
فنقول : بهذه العلة يجب أن لا يتمكن نقصان في الرق لان ما يمكن نقصانا في
الرق لا يكون فيه احتمال الفسخ ، فهذا إثبات الحكم الثاني بالعلة الأولى أيضا
وهو نهاية في الحذاقة . وكذلك إن تعذر إثبات الحكم الثاني بالعلة الأولى
فأراد إثباته بالعلة بعلة أخرى ، لأنه ما ضمن بتعليله إثبات جميع الأحكام بالعلة
الأولى وإنما ضمن إثبات الحكم الذي زعم أن خصمه ينازعه فيه ، فإذا أظهر
الخصم الموافقة فيه واحتاج إلى إثبات حكم آخر يكون له أن يثبت ذلك بعلة
أخرى ولا يكون هذا انقطاعا منه .
فأما الوجه الرابع وهو الانتقال من علة إلى علة أخرى لاثبات الحكم
الأول ، فمن أهل النظر من صحح ذلك أيضا ولم يجعله انقطاعا ، استدلالا
بقصة الخليل عليه السلام حين حاج اللعين بقوله تعالى : * ( ربي الذي يحيي
ويميت ) * فلما قال اللعين : * ( أنا أحيي وأميت ) * حاجه بقوله تعالى : * ( فإن
الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ) * وكان ذلك ( منه )
أصول السرخسي — صفحة 287
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٢٨٧