فيه ، ولا يتحقق ذلك إلا مع تقرر سبب الوجوب في حقه . والدليل عليه
بقاء حجة الاسلام فرضا له بعد الجنون ، وبقاء ما أدى من الصلاة في حالة
الإفاقة فرضا في حقه ، فبهذا التحقيق يتبين أن سبب الوجوب متحقق مع
الجنون ، والخطاب بالأداء ساقط عنه لعجزه عن فهم الخطاب ، وذلك لا ينفي
صحة الأداء فرضا ، بمنزلة من لم يبلغه الخطاب ، فإنه تتأدى منه العبادة
بصفة الفرضية كمن أسلم في دار الحرب ولم تبلغه فرضية الخطاب لا يكون
مخاطبا بها ومع ذلك إذا أداها كانت فرضا له . وكذلك النائم والمغمى عليه ،
فإن الخطاب بالأداء ساقط عنهما قبل الانتباه والإفاقة ثم كان السبب متقررا
في حقهما ، فكان التعليل بسقوط فعل الأداء عنه لعجزه عن فهم الخطاب
على نفي سبب الوجوب في حقه أصلا ، فيكون فاسدا وضعا مخالفا للنص
والاجماع ، ولان الخطاب بالأداء يشترط لثبوت التمكن من الائتمار وذلك
لا يكون بدون العقل والتمييز ، فسقوطه لانعدام شرطه لا يجوز أن يكون
دليلا على نفي تقرر السبب ، وثبوت الوجوب الذي هو حكم السبب على
وجه لا صنع للعبد فيه بل هو أمر شرعي يختص بمحل صالح له وهو
الذمة ، فإذا ثبت تقرر السبب ثبت صحة الأداء ، ووجوب القضاء عند
عدم الأداء بشرط أن لا يلحقه الحرج في القضاء ، فإن الحرج عذر مسقط
بالنص ، قال تعالى : * ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) * وقال تعالى :
* ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) * فعند تطاول الجنون حقيقة أو حكما
بتكرار الفوائت من الصلوات وباستيعاب الجنون الشهر كله أسقطنا القضاء
لدفع الحرج وهو عذر مسقط . ومعنى الحرج فيه أنه تتضاعف عليه العبادة
المشروعة في وقتها ، ولا يشتبه معنى الحرج في الأداء عند تضاعف الواجب ،
ولهذا أسقطنا بعذر الحيض قضاء الصلوات لأنها تبتلى بالحيض في كل شهر
عادة ، والصلاة يلزمها في اليوم والليلة خمس مرات ، فلو أوجبنا القضاء تضاعف
الواجب في زمان الطهر ، ولا يسقط بالحيض قضاء الصوم ، لان فرضية
أصول السرخسي — صفحة 279
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٢٧٩