معنى التضاد بينهما باختلاف الوقت ، فعرفنا أن شرط التضاد والتمانع اتحاد
المحل والوقت .
ومن الشرط أن يكون كل واحد منهما موجبا على وجه يجوز أن يكون ناسخا
للآخر إذا عرف التاريخ بينهما ، ولهذا قلنا : يقع التعارض بين الآيتين ، وبين
القراءتين ، وبين السنتين ، وبين الآية والسنة المشهورة ، لان كل واحد منهما يجوز
أن يكون ناسخا إذا علم التاريخ بينهما ، على ما نبينه في باب النسخ . ولا يقع التعارض
بين القياسين ، لان أحدهما لا يجوز أن يكون ناسخا للآخر ، فإن النسخ لا يكون
إلا فيما هو موجب للعلم والقياس لا يوجب ذلك ولا يكون ذلك إلا عن تاريخ وذلك
لا يتحقق في القياسين . وكذلك لا يقع التعارض في أقاويل الصحابة لان كل واحد
منهما ( إنما ) قال ذلك عن رأيه والرواية لا تثبت بالاحتمال ، وكما أن الرأيين
من واحد لا يصلح أن يكون أحدهما ناسخا للآخر فكذلك من اثنين .
وأما الحكم فنقول : متى وقع التعارض بين الآيتين فالسبيل الرجوع إلى سبب
النزول ليعلم التاريخ بينهما ، فإذا علم ذلك كان المتأخر ناسخا للمتقدم فيجب العمل
بالناسخ ولا يجوز العمل بالمنسوخ ، فإن لم يعلم ذلك فحينئذ يجب المصير إلى السنة
لمعرفة حكم الحادثة ، ويجب العمل بذلك إن وجد في السنة ، لان المعارضة لما تحققت
في حقنا فقد تعذر علينا العمل بالآيتين ، إذ ليست إحداهما بالعمل بها أولى من
الأخرى والتحقق بما لو لم يوجد حكم الحادثة في الكتاب فيجب المصير إلى السنة
في معرفة الحكم . وكذلك إن وقع التعارض بين السنتين ولم يعرف التاريخ فإنه
يصار إلى ما بعد السنة فيما يكون حجة في حكم الحادثة ، وذلك قول الصحابي أو القياس
الصحيح على ما بينا من قبل في الترتيب في الحجج الشرعية ، لان عند المعارضة
يتعذر العمل بالمتعارضين ، ففي حكم العمل يجعل ذلك كالمعدوم أصلا . وعلى هذا
قلنا : إذا ادعى رجلان نكاح امرأة وأقام كل واحد منهما البينة وتعذر ترجيح
إحدى البينتين بوجه من الوجوه فإنه تبطل الحجتان ويصير كأنه لم يقم كل واحد
منهما البينة .
أصول السرخسي — صفحة 13
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٣