أو كلاما هذا معناه ، وكان أنس رضي الله عنه إذا روى حديثا قال في آخره أو كما
قال رسول الله عليه السلام ، فدل أن النقل بالمعنى كان مشهورا فيهم ، وكذلك
العلماء بعدهم يذكرون في تصانيفهم : بلغنا نحوا من ذلك . وهذا لان نظم الحديث
ليس بمعجز والمطلوب منه ما يتعلق بمعناه وهو الحكم من غير أن يكون له تعلق بصورة
النظم ، وقد علمنا أن الامر بالتبليغ لما هو المقصود به فإذا كمل ذلك بالنقل بالمعنى كان
ممتثلا لما أمر به من النقل لا مرتكبا للحرام ، وإنما يعتبر النظم في نقل القرآن لأنه
معجز مع أنه قد ثبت أيضا فيه نوع رخصة ببركة دعاء رسول الله ( ص )
على ما أشار إليه في قوله : أنزل القرآن على سبعة أحرف إلا أن في ذلك رخصة
من حيث الاسقاط ، وهذا من حيث التخفيف والتيسير ، ومعنى الرخصة يتحقق
بالطريقين كما تقدم بيانه .
إذا عرفنا هذا فنقول : الخبر إما أن يكون محكما له معنى واحد معلوم بظاهر المتن ،
أو يكون ظاهرا معلوم المعنى بظاهره على احتمال شئ آخر كالعام الذي يحتمل
الخصوص والحقيقة التي تحتمل المجاز ، أو يكون مشكلا ، أو يكون مشتركا يعرف
المراد بالتأويل ، أو يكون مجملا لا يعرف المراد به إلا ببيان ، أو يكون متشابها ،
أو يكون من جوامع الكلم .
فأما المحكم يجوز نقله بالمعنى لكل من كان عالما بوجوه اللغة ، لان المراد به معلوم
حقيقة ، وإذا كساه العالم باللغة عبارة أخرى لا يتمكن فيه تهمة الزيادة والنقصان .
فأما الظاهر فلا يجوز نقله بالمعنى إلا لمن جمع إلى العلم باللغة العلم بفقه الشريعة ، لأنه
إذا لم يكن عالما بذلك لم يؤمن إذا كساه عبارة أخرى أن لا تكون تلك العبارة
في احتمال الخصوص والمجاز مثل العبارة الأولى ، وإن كان ذلك هو المراد به ، ولعل
العبارة التي يروي بها تكون أعم من تلك العبارة لجهله بالفرق بين الخاص والعام ،
فإذا كان عالما بفقه الشريعة يقع الامن عن هذا التقصير منه عند تغيير العبارة فيجوز له
النقل بالمعنى كما كان يفعله الحسن والنخعي والشعبي رحمهم الله .
أصول السرخسي — صفحة 356
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٥٦