الكذب محظور عقله فنستدل بانزجاره عن سائر ما نعتقده محظورا على انزجاره عن
الكذب الذي نعتقده محظورا ، أو لما كان منزجرا عن الكذب في أمور الدنيا
فذلك دليل انزجاره عن الكذب في أمور الدين وأحكام الشرع بالطريق الأولى ،
فأما إذا لم يكن عدلا في تعاطيه فاعتبار جانب تعاطيه يرجح معنى الكذب في خبره ،
لأنه لما لم يبال من ارتكاب سائر المحظورات مع اعتقاده حرمته ، فالظاهر أنه لا يبالي من
الكذب مع اعتقاده حرمته ، واعتبار جانب اعتقاده يدل على الصدق في خبره فتقع
المعارضة ويجب التوقف ، وإذا كان ترجيح جانب الصدق باعتبار عدالته وبه يصير الخبر
حجة للعمل شرعا ، فعرفنا أن العدالة في الراوي شرط لكون خبره حجة .
فأما اشتراط الاسلام : لانتفاء تهمة الكذب لا باعتبار نقصان حال المخبر
بل باعتبار زيادة شئ فيه يدل على كذبه في خبره ، وذلك لان الكلام في
الاخبار التي يثبت بها أحكام الشرع ، وهم يعادوننا في أصل الدين بغير
حق على وجه هو نهاية في العداوة فيحملهم ذلك على السعي في هدم أركان الدين
بإدخال ما ليس منه فيه ، وإليه أشار الله تعالى في قوله : * ( لا يألونكم خبالا ) *
أي لا يقصرون في الافساد عليكم ، وقد ظهر منهم هذا بطريق الكتمان ، فإنهم كتموا
نعت رسول الله ( ص ) ونبوته من كتابه بعدما أخذ عليهم الميثاق
بإظهار ذلك فلا يؤمنون من أن يقصدوا مثل ذلك بزيادة هي كذب لا أصل له بطريق
الرواية ، بل هذا هو الظاهر ، فلأجل هذا شرطنا الاسلام في الراوي لكون خبره
حجة ، ولهذا لم تجوز شهادتهم على المسلمين ، لان العداوة ربما تحملهم على القصد
للاضرار بالمسلمين بشهادة الزور ، كما لا تقبل شهادة ذي الضغن لظهور عداوته بسبب
الباطن ، وقبلنا شهادة بعضهم على بعض لانعدام هذا المعنى الباعث على الكذب فيما
بينهم . وبهذا تبين أن رد خبره ليس لعين الكفر بل لمعنى زائد يمكن تهمة الكذب
في خبره ، بمنزلة شهادة الأب للولد فإنها لا تكون مقبولة لمعنى زائد يمكن تهمة
الكذب في شهادته وهو شفقة الأبوة وميله إلى ولده طبعا .
وأما بيان حد هذه الشروط وتفسيرها فنقول : العقل نور في الصدر به يبصر
أصول السرخسي — صفحة 346
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٤٦