في شهادة الشهود يمنع بثبوت العلم في ( حق ) العمل بشهادتهم لما قضى رسول
الله بالشهادة قط ، فإنه كان متمكنا من القضاء بعلم وذلك بأن ينتظر نزول الوحي عليه
فما كان يجوز له أن يقضي بغير علم ، وقد نقل قضاياه مشهورا بالشهادات والايمان فهو
دليل على صحة ما قلنا . والآثار عن رسول الله ( ص ) وعن الصحابة
رضي الله عنهم في العمل بخبر الواحد أكثر من أن تحصى ، وأشهر من أن تخفى ،
ذكر محمد رحمه الله بعضها في الاستحسان ، وأورد أكثرها عيسى بن أبان رحمه الله
مستدلا بجواز العمل بخبر الواحد ، ولكنا لم نشتغل بها لشهرتها ، ولعلمنا أن الخصوم
يتعنتون فيقولون كيف يحتجون على وجوب العمل بخبر الواحد بالآحاد من الاخبار
وهو نفس الخلاف ، فلهذا اشتغلنا بالاستدلال بما هو شبه المحسوس ، فكأن عيسى
ابن أبان إنما استدل بها لكونها مشهورة في حيز التواتر ، ولان العمل بالقياس جائز
فيما لا نص فيه ، ثبت ذلك باتفاق الصحابة ، وخبر الواحد أقوى من القياس ، لان
المعمول به وهو قول رسول الله ( ص ) لا شبهة فيه وإنما الشبهة في طريق
الاتصال به ، وفي القياس الشبهة والاحتمال في المعنى المعمول به والطريق فيهما غالب
الرأي ، فكان جواز العمل بالقياس دليلا على جواز العمل بخبر الواحد بالطريق الأولى .
يقرره أن العامي إذا سأل المفتي حادثته فأفتى بشئ يلزمه العمل به ، ولو سأله عن اعتقاده
في ذلك فأخبر أنه معتقد لما يفتيه به كان عليه أن يعتمد قوله وفيه احتمال السهو والكذب ،
ولكن باعتبار فقهه يترجح جانب الإصابة ، وباعتبار عدالته يترجح جانب الصدق فيه
فيجب العمل به ، فكذلك فيما يخبر به العدل لان جانب الصدق يترجح بظهور عدالته ،
وما قالوا إن في هذا إثبات زيادة درجة لخبر غير المعصوم على خبر المعصوم غلط بين ،
فإن الحاجة إلى ظهور المعجزات لثبوت علم اليقين بنبوته ، وليكون خبره موجبا علم
اليقين ولا يثبت مثل ذلك بخبر مثل هذا المخبر ، ألا ترى أن العمل بخبر المخبر في
المعاملات جائز عدلا كان أو فاسقا إذا وقع في قلب السامع أنه صادق ، ولا يكون في
أصول السرخسي — صفحة 328
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٢٨