فإن قيل لا يؤمن على هؤلاء إعلان الفسق أو الضلالة أو الردة مثلا بعدما انعقد
الاجماع منهم ، فكيف يؤمن الخطأ باعتبار اجتماعهم ؟ وعن هذا الكلام جوابان
لمشايخنا رحمهم الله : أحدهما أنا لا نجوز هذا على جماعتهم بعدما كان إجماعهم موجبا للعلم
في حكم الشرع فإن الله تعالى يعصمهم من ذلك ، لان إجماعهم صار بمنزلة النص عن
صاحب الشريعة ، فكما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان معصوما عن هذا نقطع
القول به ، لان قوله موجب للعلم ، فكذلك جماعة العلماء إذا ثبت لهم هذه الدرجة ،
وهو أن قولهم موجب للعلم كرامة بسبب الدين . والثاني أنه وإن تحقق هذا منهم فإن
الله تعالى يقيم آخرين مقامهم ليكون الحكم ثابتا بإجماعهم ، لان الدين محفوظ إلى
قيام الساعة على ما قال رسول الله عليه السلام : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على
الحق حتى يأتي أمر الله فما يعترض على الأولين لا يؤثر في حكم الاجماع لقيام
أمثالهم مقامهم ، بمنزلة موتهم .
وقال بعض العلماء : الاجماع الموجب للعلم لا يكون إلا بإجماع الصحابة الذين
كانوا خير الناس بعد رسول الله ( ص ) ، لأنهم صحبوه وسمعوا منه علم
التنزيل والتأويل ، وأثنى عليهم في آثار معروفة فهم المختصون بهذه الكرامة . وهذا
ضعيف عندنا فإن النبي ( ص ) كما أثنى عليهم فقد أثنى على من بعدهم فقال :
خير الناس قرني الذين أنا فيهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ففي هذا
بيان أن أهل كل عصر يقومون مقامهم في صفة الخيرية إذا كانوا على مثل اعتقادهم ،
والمعاني التي بيناها لاثبات هذا الحكم بها من صفة الوساطة والشهادة والامر
بالمعروف لا يختص بزمان ولا بقوم ، وثبوت هذا الحكم بالاجماع لتحقيق بقاء حكم
الشرع إلى قيام الساعة وذلك لا يتم ما لم يجعل إجماع أهل كل عصر حجة كإجماع
الصحابة رضي الله عنهم .
فإن قيل : ف أبو حنيفة رحمه الله قال بخلاف هذا لأنه قال : ما جاءنا عن الصحابة
اتبعناهم ، وما جاءنا عن التابعين زاحمناهم . قلنا : إنما قال ذلك لأنه كان من جملة التابعين
أصول السرخسي — صفحة 313
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣١٣