في الآيتين من كتاب الله تعالى في قوله تعالى : * ( فكيف إذا جئنا من كل أمة
بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) * وفي قوله تعالى : * ( ويوم نبعث من كل أمة
شهيدا ) * الآية ، فتبين أن المراد بما تلونا الشهادة بحقوق الله تعالى على الناس في الدنيا .
ولا يقال كما وصف الله هذه الأمة بأنهم شهداء فقد وصف به أهل الكتاب ،
قال تعالى : * ( يأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم
شهداء ) * وقال تعالى : * ( بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ) *
ثم لم يدل ذلك على أن إجماعهم موجب للعلم وهذا لان الله تعالى إنما جعلهم شهداء
بما أخذ الميثاق به عليهم وهو بيان نعت رسول الله ( ص ) من كتابهم
للناس ، كما قال تعالى : * ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه ) * الآية ،
ولو بينوا كان بيانهم حجة ، إلا أنهم لما تعنتوا واشتغلوا بالحسد وطلب الرياسة
كفروا بذلك ، وإنما سماهم أهل الكتاب باعتبار ما كانوا عليه من قبل ولذلك جعلهم
شهداء على حفظ الكتاب ، فما لم يبدلوا كان قولهم حجة ، ولكنهم حرفوا وغيروا
ذلك فلهذا لا يكون قولهم حجة ، فأما هنا فقد جعل الله هذه الأمة شهداء على
الناس ، فعرفنا أن قولهم حجة في إلزام حقوق الله على الناس إلى قيام الساعة .
ولا يقال فقد ثبت حق الله بما لا يوجب العلم قطعا نحو خبر الواحد والقياس وهذا
لان خبر الواحد حجة باعتبار أنه كلام رسول الله ( ص ) وقوله حجة موجبة
للعلم قطعا ، ولكن امتنع ثبوت العلم به لشبهة في النقل ، واحتمل ذلك لضرورة فقدنا
رسول الله ( ص ) ، والقياس لا يكون حجة لاثبات الحكم ابتداء بل بتعدية
الحكم الثابت بالنص إلى محل لا نص فيه ، واحتمل ذلك لضرورة حاجتنا إلى ذلك ،
فأما هنا فقد جعل الله تعالى الأمة شهداء على الناس مطلقا ، وذلك لا يكون إلا إذا
كان الحق مطلقا فيما يشهدون به .
فإن قيل : وصف الله تعالى إياهم بهذا لا يكون دليلا على أنه لا يتوهم اجتماعهم
على ما هو ضلالة ، كما في قوله تعالى : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ففيه
بيان أنه خلقهم للعبادة ثم لا يمنع ذلك توهم اجتماعهم على ترك العبادة . قلنا : اللام
أصول السرخسي — صفحة 298
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٢٩٨