فإنما يعمل في إسقاط ما يحتمل السقوط دون ما لا يحتمل وشرط القبض لوقوع
الملك في الهبة لا يحتمل السقوط بحال بخلاف القبول في البيع فقد يحتمل السقوط ،
ألا ترى أن الايجاب والقبول جميعا يحتمل السقوط حتى ينعقد البيع بالتعاطي من غير
قول ، فلان يحتمل مجرد القبول السقوط كان أولى . ولو قال بعت منك هذا الثوب
بعشرة فاقطعه فقطعه ولم يقل شيئا كان البيع بينهما تاما ، والفاسد من البيع معتبر
بالجائز في الحكم لان الفاسد لا يمكن أن يجعل أصلا يتعرف حكمه من نفسه ، وإذا
كان ما ثبت الملك به في البيع الجائز يحتمل السقوط إذا كان ضمنا للعتق فكذلك ما يثبت
به الملك في البيع الفاسد . وبيان ما ذكرنا من الخلاف بيننا وبين الشافعي فيما إذا قال
إن أكلت فعبدي حر ونوى طعاما دون طعام ، عنده تعمل نيته لان الاكل يقتضي
مأكولا وذلك كالمنصوص عليه فكأنه قال إن أكلت طعاما ، ولما كان للمقتضي عموم
على قوله عمل فيه نيته التخصيص ، وعندنا لا تعمل لأنه لا عموم للمقتضى ونية التخصيص
فيما لا عموم له لغو بخلاف ما لو قال إن أكلت طعاما ، وعلى هذا لو قال إن شربت
أو قال إن لبست أو قال إن ركبت . وعلى هذا قلنا لو قال إن اغتسلت الليلة ونوى
الاغتسال من الجنابة لم تعمل نيته ، بخلاف ما لو قال إن اغتسلت غسلا فإن هناك
نيته تعمل فيما بينه وبين الله تعالى . وكذلك لو قال : إن اغتسل الليلة في هذه الدار
وقال عنيت فلانا لم تعمل نيته لان الفاعل ليس في لفظه وإنما يثبت بطريق الاقتضاء ،
بخلاف ما لو قال إن اغتسل أحد في هذه الدار الليلة . وعلى هذا لو قال لامرأته
اعتدي ونوى الطلاق فإن وقوع الطلاق بطريق الاقتضاء لأنها لا تعتد قبل تقدم
الطلاق فيصير كأنه قال طلقتك فاعتدي ولكن ثبوته بطريق الاقتضاء ، ولهذا كان
الواقع رجعيا ولا تعمل نيته الثلاث فيه ، وبعد البينونة والشروع في العدة يقع الطلاق
بهذا اللفظ . وربما يستدل الشافعي رحمه الله بهذا في أن المقتضى كالمنصوص عليه ، وهو
خارج على ما ذكرنا فإنا نجعله كالمنصوص عليه بقدر الحاجة وهو أن يصير المنصوص
مفيدا موجبا للحكم فأما فيما وراء ذلك فلا .
أصول السرخسي — صفحة 250
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٢٥٠